إلى محبي الفضاء الخارجي..

المراصد الفضائية.. عيون الأرض على الكون

اكتشافات هابل ساهمت في تأكيد وجود المادة المظلمة والطاقة المظلمة في الكون (الأوروبية) اكتشافات هابل ساهمت في تأكيد وجود المادة المظلمة والطاقة المظلمة في الكون (الأوروبية)

احتفل العالم مؤخرا بمناسبة مرور 25 عاما على إطلاق المرصد الفضائي الشهير هابل. لكن هذا المرصد الذي يعيش سنواته الأخيرة، لم يكن الوحيد الذي ساهم في تعميق فهمنا لتاريخ الكون ومكوناته، إذ هناك ترسانة كاملة من المراصد الفضائية الأخرى التي تقل شهرة عنه، لكنها قدمت إضافة هامة في مجال علم الفلك والكونيات.

ولم تكن هذه المناسبة هي الأولى التي تهتم فيها وسائل الإعلام بالتلسكوب الفضائي هابل، فمنذ إطلاقه عام 1990 ووضعه في مدار منخفض حول الأرض (على ارتفاع 600 كلم)، كان محور أحداث عديدة ليست كلها جيدة، حيث بدأت باكتشاف عيوب في مراياه الرئيسية التي يبلغ قطرها 2.4 متر وإصلاحها عام 1993.

وقد جعلت منه عمليات التحديث باستعمال المكوكات الفضائية (ديسكفري وأتلانتس وأنديفور وكولومبيا) التي استمرت إلى غاية العام 2009، أحد أهم التلسكوبات التي زودت علماء الفلك بأوضح وأفضل رؤية للكون، خاصة أن لهابل أدوات للرصد في مجالات مختلفة من الأشعة، وهي مجالات الأشعة فوق البنفسجية القريبة والطيف المرئي والأشعة تحت الحمراء.

من صور الكون التي أبدع هابل في التقاطها (أسوشيتد برس)

اكتشافات هابل
وكانت أبرز اكتشافات التلسكوب الفضائي الذي أطلق عليه اسم عالم الفلك الأميركي أدوين هابل صاحب نظرية تمدد الكون، في تحديد نسق تمدد الكون بكل دقة، وتأكيد وجود ثقوب سوداء عالية الكثافة في مراكز المجرات، وهي أجسام كثيفة تمنع جاذبيتها الشديدة الضوء من الإفلات منها.

وساهمت المعطيات التي استقاها الفلكيون من الصور التي التقطها هابل في تأكيد وجود المادة المظلمة والطاقة المظلمة التي كانت مجرد فرضية لتفسير التباين بين الجاذبية التي تقع تحت تأثيرها المادة المضيئة (مجرات ونجوم وكواكب وغبار) والجاذبية المنسوبة إلى هذه الأخيرة.

كبلر مكتشف الكواكب
ومن أشهر المراصد الفضائية الأخرى التي تعمل في مجال الأشعة المرئية كذلك، مرصد “كبلر” الذي أطلقته إدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) عام 2009 بهدف استكشاف الكواكب خارج المجموعة الشمسية، وهو يعتمد في ذلك على طريقة التقاط التغيرات الطفيفة في الضوء عند مرور كوكب أمام نجمه.

وقد تمثلت مهمته في التركيز على نقطة واحدة في الفضاء تضم أكثر من مائة ألف نجم شبيه بالشمس لمدة 3.5 أعوام للبحث عن كواكب قد تكون شبيهة بالأرض. وقد زود المرصد بجهاز يسمح له بقياس الاختلافات الحاصلة في ضوء النجوم لدى عبور الكواكب المحيطة بها في المنطقة المواجهة لعدسة التليسكوب، حتى لو كانت تلك الاختلافات بالغة الصغر.

ولا يكفي رصد التغيرات في ضوء النجوم لمرة واحدة للجزم بوجود كوكب، بل يتعين على “كبلر” رصد هذا التغير لأكثر من مرة وبشكل منتظم، حتى يمكن التأكد من وجود مدار ثابت.

وقد أعلنت ناسا بداية يناير/كانون الثاني الماضي توصل مرصد كبلر إلى اكتشاف الكوكب الألف خارج المجموعة الشمسية، منها كوكبان صلبان شبيهان بالأرض يدوران حول نجمهما في نطاق يمكن أن تنشأ ضمنه الحياة.

غير أن علماء الفلك والكونيات -وبهدف استكشاف أغوار الكون- كانوا بحاجة كذلك إلى معلومات لا يمكن استقاؤها من مجال الطيف الذي تعمل فيه أجهزة هابل (المرئي والقريب منه)، بل من مجالات أخرى كأشعة غاما وأشعة إكس والأشعة فوق البنفسجية وتحت الحمراء والموجات الراديوية.

توزيع كثافة الطاقة في الكون
حسب معطيات مرصد “بلانك” (الجزيرة)

بلانك يرسم خارطة الكون
في مجال الموجات الراديوية، يعتبر مرصد “بلانك” الفضائي التابع لوكالة الفضاء الأوروبية أشهر المراصد العاملة في هذا المجال، وأطلق أواخر العام 2009 ليتخذ مكانه على ارتفاع 1.5 مليون كيلومتر عند نقطة انعدام الجاذبية “لاغرانج2” الموجودة على الخط الوهمي المار بالشمس والأرض من الجهة المعاكسة للشمس.

وقد تمكن المرصد الذي يحمل اسم عالم الفيزياء الألماني ماكس بلانك مؤسس الفيزياء الكمية، خلال فترة عمله التي لم تتجاوز السنتين وإلى غاية يناير/كانون الثاني 2012، من توفير معلومات هامة حول تاريخ الكون وتوزيع المادة في أرجائه.

واستطاع العلماء -على ضوء هذه المعطيات- نشر خارطة أكثر دقة لتوزيع المادة في الكون من التي تم الحصول عليها من مرصد “كوب” الفضائي. كما صححت هذه المعلومات نسب كثافة المادة بأنواعها، وبينت أن المادة المضيئة التي تكوّن الأجرام المعروفة كالمجرات والنجوم والكواكب والغبار النجمي وغيرها، لا تمثل سوى نسبة قليلة من مجموع المادة في الكون ولا تتجاوز 4.9%. أما الباقي فهو مادة مجهولة تنقسم إلى طاقة مظلمة بنسبة 68.3% ومادة مظلمة بنسبة 26.8%. كما يعود الفضل لهذا التلسكوب الفضائي في معرفة عمر الكون بصورة أكثر دقة والذي حدده بـ13.78 مليار سنة.

أما شقيقه مرصد “هيرشل” الذي أطلق في نفس عملية الرحلة على متن صاروخ أريان عام 2009 واستقر مثله في نقطة “لاغرانج2″، فيعمل في مجال الأشعة تحت الحمراء والموجات “تحت مليمترية”. وقد قدم هذا المرصد خلال فترة عمله التي دامت أربع سنوات، معلومات إضافية حول ظواهر كونية كولادة النجوم وتكوّن المجرات ودراسة التركيبة الكيميائية للفضاء “ما بين النجمي”.

صورة لمجرة حلزونية
التقطها مرصد شاندرا (رويترز)

صور لأشعة إكس
وفي مجال أشعة إكس يعمل مرصد “شاندرا” الفضائي منذ العام 1999 على التقاط أشعة إكس القادمة من أرجاء الكون، والتي تمكّن خاصة من تحديد مكان وجود الثقوب السوداء وأجرام سماوية أخرى يصعب رصدها بواسطة وسائل أخرى.

وقد ساهم هذا المرصد التابع لناسا ويحمل اسم عالم الفيزياء الهندي سابرامنيان شاندرازخار” في استكشاف المادة المظلمة، وصوّر ظواهر فلكية غير مألوفة سابقا كالتهام مجرة كبيرة لأخرى أصغر منها، كما صوّر أول إصدار لأشعة إكس تنطلق من ثقب أسود عظيم الكتلة يقع في مركز مجرة درب التبانة.

وفي هذا المجال يعمل المرصد الفضائي الأوروبي “نيوتن إكس.إكس.أم” الشبيه بشاندرا. وقد رصد هذا التلسكوب أبعد وأقدم ثقب أسود عظيم الكتلة في الكون. ويوجد هذا الثقب على مسافة 13 مليار سنة ضوئية ويملك كتلة تعادل كتلة الشمس بملياري مرة، وهو ما جعل العلماء يتفاجؤون بوجود مثل هذا الوحش في وقت مبكر من عمر الكون الذي لم يكن قد تجاوز 780 مليون سنة.

إضافة إلى المراصد المذكورة، ومنذ وضعت الولايات المتحدة أول مرصد شمسي في مداره بداية ستينيات القرن الماضي، تم إطلاق عشرات المراصد الفلكية التي ساهمت بدرجات متفاوتة في زيادة معارف البشرية حول الكون. كما تحفل البرامج العلمية لوكالات الفضاء في الدول الرائدة في هذا المجال كالولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي واليابان وغيرها، بمشاريع مستقبلية لمراصد جديدة ستُطلق مستقبلا.

مرصد “جميس ويب” الذي يتم تطويره
لخلافة هابل (الفرنسية/غيتي)

خليفة هابل
ومن بين أكبر هذه المشاريع مشروع مرصد فضائي سيعوض “هابل” الذي من المنتظر أن يتوقف عن العمل بحلول العام  2020، كما ورد على لسان رئيس الجمعية التونسية لعلوم الفلك سفيان كمون خلال محاضرة ألقاها السبت الماضي بمدينة العلوم في تونس حول التصوير الفلكي.

وقد أطلق على المرصد الجديد اسم “جيمس ويب” وهو ثاني مدير لوكالة ناسا في تاريخها، وكان على رأسها بين عامي 1961 و1968.

ويوضح كمون أن دقة التلسكوب الفضائي الجديد في الرصد ستكون غير مسبوقة، وسيتمتع بحساسية عالية في مجال طيفي يمتد من حافة الأشعة المرئية إلى الأشعة تحت الحمراء القريبة، وسيتم تجهيزه بمرآة رئيسية مجزأة ذات قطر 6.5م (مقابل 2.4م كقطر لمرآة هابل الرئيسية) وسيوضع بعد إطلاقه عام 2018 عند نقطة “لاغرانج2”.

وأضاف أن مرصد “جميس ويب” سيزود بشراع كبير واق من أشعة الشمس لإبقاء تجهيزاته في درجة الحرارة المطلوبة لعملها وهي أقل من 220 درجة مئوية تحت الصفر، وسيكون بإمكانه رصد الأجرام السماوية في مرحلة مبكرة بعد نشوء الكون، ودراسة كيفية تكوّن المجرات والنجوم، ورصد الكواكب الموجودة خارج المجموعة الشمسية والتي يمكن أن تنشأ عليها الحياة.

المصدر الجزيرة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: