النظرة الدونية للمرأة عند توفيق الحكيم

النظرة الدونية للمرأة عند توفيق الحكيم
———-
((( قيمة المرأة: إن السلوك غير السوي للإنسان مهما بلغ ضرره ضد الآخرين، لايجوز أن تنزع عنه صفة الكائن الإنساني. فمبدأ حقوق الإنسان يضمن حتى للخارجين على حدود المجتمع حقهم في الحياة، لكنه لا يعفيهم من المسألة القانونية. ويبدو أن ((توفيق الحكيم)) قد أسقط هذا المبدأ من حسابه في عدائه ضد المرأة، واسقط عنها الكينونة الإنسانية حين وصفها بأنها مخلوق تافه، تم خلقه من مادة تافه فأنتجت كائناً تافهاً لايتحلى بالمواصفات الإنسانية. وعبر عن ذلك قائلاً:”أن المرأة مخلوق تافه، صنعت من ضلع تافه من أضلاع أدم وخرجت من الجنة وأخرجته بسبب تافه”.))))

إذا سلمنا بأن النظرة الدونية للمرأة، يعود جزءً منها إلى المورث التاريخي الذي يلازم سلوك وممارسات العامة من الناس تجاه المرأة في الوقت الراهن نتيجة الجهل والأمية…… يبرز السؤال الأهم هل حقيقة أن الوعي الثقافي هو العامل الأساس في إلغاء تلك النظرة؟. أم أن هناك عوامل أخرى تفوق عامل الوعي في ترسيخ مفاهيم الموروث التاريخي المعادي للمرأة في ذهنية أفراد المجتمع؟. وهل يعود ذلك إلى تجارب الفرد مع المرأة لتوظيف الموروث التاريخي مع التجربة الشخصية لصياغة موقف معادي من المرأة؟. أسئلة كهذه……تبحث عن إجابات جريئة للوقوف على الأسباب الحقيقة لاستمرار النظرة الدونية للمرأة في المجتمع؟. فالقاص والكاتب والصحفي ((توفيق الحكيم)) لاينقصه الوعي، وإنما هو منتج له فلماذا يتخذ موقفاً معادياً ضد المرأة؟. ولايمكن إغفال نتاجه الفكري ومساهمته في رفع مستوى الوعي في المجتمع، فبالرغم من مرور ما يقارب النصف قرن على بعض إبداعاته الفكرية فمازال وهجها المعرفي يضئ الحاضر وينير جوانبه المظلمة. والغريب أن هذا الإنسان الحقوقي من القلائل الحائزين على الشهادة الأكاديمية من فرنسا في ثلاثينيات القرن الماضي، اتخذ موقفاً معادياً ضد المرأة وعبر عنه في العديد من كتاباته وإبداعاته الفكرية.
قبل مناقشة وعرض آراءه المعادية للمرأة، لابد أن نحتكم للسياق التاريخي وعدم استخدام آليات وسياقات الحاضر لإصدار الأحكام لكي تكون أحكامنا منصفة ومجانبة للحقيقة ولانبخس الرجل حقه. ولمناقشة وعرض آراءه المعادية للمرأة، نبحث في النقاط أدناه:
1-وظيفية المرأة: يصفها بأنها عبارة عن سجانة وظيفتها في الحياة إغلاق المنافذ على الرجال وسجنهم في دهاليزها عميقة من لحظة نشأتهم وحتى مماتهم، حيث يقول:”إن المرأة هي السجان الدائم لنا نحن الرجال، تحبسنا بين جدران بطنها ونحن أجنة. فإذا أخرجنا إلى الحياة وقعنا بين سياج حجرها ونحن أطفال، فإذا اجتزنا بالكبر ذاك السياج تلقتنا ذراعيها فطوقت أعناقنا حتى الممات”.
بالرغم من أن المرأة نصف المجتمع، وتخوض في جميع المجالات العلمية والفكرية، لكنها لاتضاهي الرجل فكرياً في إبداعه وثقافته في شكلها العام فجوهر إبداعها يعكس ضوء الإبداع الذكوري، فهي لاتمتلك مطلقاً موهبة الإبداع الفكري. ففي هذا التوجه من الانتقاص لقدرة وإمكانية المرأة يقول” المرأة مثل القمر لاتشع ضوءاً من داخل نفسها، بل تعكس الضوء الأتي إليها من شمس عقل الرجل”.
كما أنه لايجد أن هناك وظيفة يمكن أن تؤديها المرأة في الحياة سوى وظيفة الحب الذي يحتاجه الرجل كسنة في الحياة، وللرجل وظيفية أكثر سمو ورفعة هي الإبداع الثقافي وحب العمل لاستمرار الحياة. وإن هذا الاختلاف في أداء المهام والوظائف بين المرأة والرجل، هو السبب في سوء الفهم المتواصل بينهما. وعبر عن هذا التصور قائلاً:”ليس للنساء عمل في الحياة غير الحب، أما حياة الرجال فهي حب العمل. ومن هنا نشأ سوء الفهم بينهما”.
2-قيمة المرأة: إن السلوك غير السوي للإنسان مهما بلغ ضرره ضد الآخرين، لايجوز أن تنزع عنه صفة الكائن الإنساني. فمبدأ حقوق الإنسان يضمن حتى للخارجين على حدود المجتمع حقهم في الحياة، لكنه لا يعفيهم من المسألة القانونية. ويبدو أن ((توفيق الحكيم)) قد أسقط هذا المبدأ من حسابه في عدائه ضد المرأة، واسقط عنها الكينونة الإنسانية حين وصفها بأنها مخلوق تافه، تم خلقه من مادة تافه فأنتجت كائناً تافهاً لايتحلى بالمواصفات الإنسانية. وعبر عن ذلك قائلاً:”أن المرأة مخلوق تافه، صنعت من ضلع تافه من أضلاع أدم وخرجت من الجنة وأخرجته بسبب تافه”.
وعلى ما يبدو أنه تدارك موقفه في التعميم لوصف المرأة بأنها مخلوق تافه، وخص به فقط المرأة التي تعاني من الجهل، لكنه بذات الوقت يعترف صراحةً بأن المرأة الذكية تصبح مخلوقاً خطراً على المجتمع إن قدر لها أن تستخدم ذكاءها في الحياة!.
هذا التناقض الذي أوقع نفسه به، يكشف عن حالة الانفعال التي تنتاب مواقفه المعادية للمرأة. فمن جهة يصفها بأنها مخلوق تافه، ومن جهة ثانية يجد أن الجهل يجعلها مخلوقاً تافهاً ومن جهة ثالثة يجد أنها إذا منحت الذكاء أصبحت مخلوقاً خطراً!.
وقد يعود هذا تناقض مواقفه من المرأة لحالته النفسية، أو لربما هو انعكاس لتجربة شخصية خاضها مع المرأة فأصبحت هواجسه تسيطر عليه، وتجعل مواقفه متأرجحة بين حالة الإلغاء الكامل والإلغاء الجزئي للمرأة!.
معبراً عن ذلك بقوله:”آه للمرأة! إذا ابتلت بالجهل فهي مخلوق تافه، وإذا منحت الذكاء فهي مخلوق خطر”.
ولايقتصر هذا التناقض بالموقف المعادي للمرأة على أنها تافه أو جاهلة أو ذكية……..وإنما يشخص حالتها النفسية التي تحتقن بالحقد والعداء للرجل. وهذا التشخيص لايشمل كل النساء، وإنما يخص به المرأة الجميلة تحديداً، فهي عدو للرجل، وليس لكل الرجال وإنما تحديداً للرجل المفكر!.
فهي تستخدم جمالها لاستمالة الرجل المفكر وإغراءه لإعاقته عن مواصلة الإبداع، لأنها جاهلة ولايسعها منافسة الرجل في الإبداع، فتلجأ لاستمالته عبر جمالها لتنال حظها في المساواة. أو لربما تكون مدفوعة بهواجس (ميتافيزيقية!) منذ الخلقية لإسقاط الرجل في براثن الخطيئة فهي التي أخرجته من نعيم الجنة إلى عذابات الأرض!. ويعبر ((توفيق الحكيم)) عن تلك الرؤية قائلاً:”أن المرأة الجميلة عدو الرجل المفكر”.
3-المرأة والخداع: إن الخداع في السياسية دليل مهارة ودسيسة، والخداع في المجتمع دليل خبث. وكلاهما سلوك غير سوي ومرفوض اجتماعياً، فغالباً ما تكون سلوكيات الإنسان مكتسبة من المحيط بالرغم من أن بعض الفلاسفة يجد أن النفس الجاهلة (الفطرية) هي نفس شريرة، والاكتساب المعرفي يرفع من قدرها وشأنها لمصاف النفس الإنسانية الخيرة.
ينطلق ((توفيق الحكيم)) من المسلمة الأولى ويضفي عليها رؤيته الخاصة، فيجد في المرأة مخلوق جاهل وتافه وبالتالي فإنها تتحلى بالسلوكيات غير السوية ومنها على وجه التحديد الخداع!. ملخصاً رؤيته بالقول:”منذ فجر التاريخ والمرأة تتنزين أي تخدع، ولقد عرف الطلاء على وجه المرأة قبل أن يعرف على جدران الهياكل”.
ويتمادى أكثر في معاداته للمرأة، فيجد أن الخداع فيها طبع متأصل لايمكن أن تتخلى عنه أبداً. فمسعاها في الحياة يقتصر على خداع الآخرين، وإن لم تجد أحداً تخدعه فإنها تخدع نفسها. فآلية التنفس عند معظم المخلوقات في الأرض، استنشاق الأوكسجين في الشهيق وفي الزفير طرح ثاني أوكسيد الكربون. ويجد ((توفيق الحكيم)) أن تلك الآلية مختلفة تماماً عند المرأة، فهي لاتستنشق الأوكسجين من أجل أن تطلق الزفير وإنما تستخدمه لتفعيل آلية خداعها للناس!. فهو يقول:”إن الخداع هو أوكسجين في هواء كل امرأة، فإن لم تجد من تخدعه، خدعت نفسها”.
4-المرأة والجمال: يتطلب الإحساس بالجمال، فياض من المشاعر تتحسس تفاصيله الدقيقة التي لاتقتصر على الصورة الظاهرة فقط منه، وإنما على ما يختفي من صور في جزئياته الدقيقة المعبرة عن صفة الجمال الكلية. فقد تكون صورة لطبيعة ما جميلة جداً، لكنها بذات لوقت بيئتها ملوثة تضر بحياة الإنسان فيفقد الجمال حينذاك قيمته. ويتعين الحكم على جمالية الشيء من خلال الإحساس بتفاصيله الجزئية للإقرار به. فالمرأة الجملية الصورة، لاقيمة لجمالها دون النظر إلى تفاصيل أخرى من صورتها مثل جمالية المنطق والثقافة والإحساس والعاطفة…..فالصورة الأولى زائلة بعد حين، والإحساس بتفاصيل الجمال يرسخ صورة الجمال ويزيده جمالاً وحيوية!.
لـ ((توفيق الحكيم)) رؤية مخالفة فهو يجد أن صورة الجمال الأولى تعفي صاحبها من التفاصيل وإن كانت متعارضة مع الجمال ذاته، فالمرأة بالرغم من تفاهتها وحماقتها فإن جمالها يغفر لها. حيث يقول:”إن الجمال هو العذر الوحيد الذي يغفر للمرأة كل تفاهتها وحماقتها”.
تحتاج اللوحة الجميلة إلى إطار جميل يعكس تفاصيل الجمال ويحدد مجال الرؤية بدقة متناهية لإبراز تناسق الألوان وتداخلها وما تعكس من تفاصيل لسمات اللوحة. وبخلافه فإن الإطار غير الجميل يحجب تفاصيل جمال اللوحة ويعتم نسق ألوانها المتباينة ويعكس صورة غير حقيقة عن اللوحة ذاتها.
ضمن هذا السياق من جمال اللوحة وإطارها، يمكن النظر إلى جمال المرأة الأنيقة في ملابسها التي تعكس جمالها أو تضيف إليه سمات أجمل!. لـ ((توفيق الحكيم)) رؤيته في جمال المرأة، أنه يرى أن ثوب المرأة هو الذي يصنع جمالها بالرغم من أنها هي التي تصنعه معبراً عن ذلك بقوله:”أن المرأة تصنع الثوب، لكن الثوب أحياناً هو الذي يصنعها”.
5-المرأة والحب: الحب هو إحساس من تواتر عالٍ للمشاعر ينهل تفاصيله من عوالم روحية فيصيب الجسد بالداء. إنه توحد بين روحين في بوتقة عالم سماوي في روح واحدة، تنكسب في جسدين في العالم الأرضي. حينها يصبح التواتر بين الكائنين (الجسدين) شيء طبيعي لأنهما ينهلان من مكون روحي واحد يبعث بإيعازاته إلى أجزائه المتباعدة في الزمان والمكان. فكلما زادت مشاعر الحب لأحد الطرفين للأخر أكثر، كلما زاد معرفته به أكثر لأنه يغرق في تفاصيله الجزئية ليتوحد أكثر فأكثر به!.
يعارض ((توفيق الحكيم)) تلك الرؤية ويجد أن المرأة طالما تتحلى بصفة المخادعة فإنها تهتم بالتفاصيل الجزئية للرجل أكثر من اهتمامها به حتى تتمكن من خداعه ويصل بها الأمر (خاصة الذكية!) إلى أنها تكشف ما يجهله الرجل نفسه عن ذاته. ويعبر عن ذلك قائلاً:”أن المرأة عندما تهتم برجل تستطيع أن تعرف عنه ما قد يجهله هو عن نفسه”.
فإذا كانت وظيفة المرأة في الحياة هو الحب لاغير، ولاتحسن شيئاً أخر غيره حسب رؤية الحكيم. فإنها لايمكن أن تخلص لشيء سوى للحب، طالما لاينصب اهتمامها على أشياء أخرى من المبادئ والأفكار والعلوم…..فإخلاصها للرجل يعني حبها له لأنها تمارس عملها الوظيفي في الحياة الذي خصها بها الحكيم دون الوظائف الأخرى في الحياة. يلخص ((توفيق الحكيم)) هذه الرؤية قائلاً:”إن المرأة لاتستطيع أن تخلص لمبدأ لكنها تستطيع أن تخلص لشخص”.
فإذا كان أخلاص المرأة للرجل يعني حبها له للارتقاء بهذه العلاقة لمستوى أسمى من خلال اقترانها به عبر الزواج!. فإن مواقف الحكيم المعادية للمرأة تتكشف أكثر لتعبر (ربما!) عن علاقة حب فاشلة خاضها مع إمرأة فأذاقته مرها فعبر عما ينتابه من مشاعر المرارة برؤى تحمل تفاصيل تجربة حب أو عشق أو زواج فاشل. فهو القائل:”أن الزواج هو مقبرة الحب”.
غادر ((توفيق الحكيم)) بجسده عالمنا الأرضي، لكنه مازال حاضراً في كل الأزمنة من خلال نتاجه الفكري الذي تجاوز الأربعين كتاباً في شؤون الفكر والثقافة والقصة والمسرح……وكبوته في معاداة المرأة لن تحط من قدره وشأنه المعرفي!.

منقول من الحوار المتمدن

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s