في المقبرة


انزلقتْ قدمي فوقَ الطين فكدتُ أسقطُ في بركة ِماء ٍصغيرةٍ خلَّفتها الأمطارُ التي مازالتْ تتساقطُ بغزارةٍ ملفتةٍ منذُ أيَّامٍ ثلاثةٍ فوقَ الجزيرةِ الصَّغيرة ِجسداً؛ العجوزِ قِدَماً؛

الرَّقيقةِ المسالمةِ أهلاً وقلباً، فاتَّكأتُ بوهمي على ساعدِ الرِّيحِ المكينةِ أسندُ بها ضعفي المتزايد سرعةً، وأنا أعبرُ بابَ المقبرةِ تسبقني أمي وعمتي لقراءة ِما يتيسرُ لنا منْ آياتِ اللهِ البيناتِ فوقَ قبرِ عمي بنية ِمؤانستِهِ بينَ المغربِ والعشاءِ وتذكيرِه ِبالشَّهادتينِ، وكيف َيجيبُ الملكين ِعندَ سؤالهِِ عن ْربهِِّ ونبيهِ، وكتابهِ،
فهذه هي الليلةُ الأولى التي يباتُ فيها تحتَ الترابِ بعيداً عن دفءِ أسرته، وستر سقف بيته،  وزقزقة أولاده الصغار حوله بعد أن فارقته الرُّوح إثر حادث مؤلم أغرقه فيه البحرُمع بعض ركاب القارب عند قدوم هذه العاصفة الهوجاء التي ضربت الجزيرة بعنف، لم تشهد له مثيلاً منذ أكثر من سبعين عاماً
كما ذكر بعض المعمرين فيها، وكما أذاعت وكالة الأنباء المحلية.
تقاعس رجال العائلة عن القيام بهذه المهمة الشاقة بالنسبة لامرأة مثلي تخاف من صوت الدِّيك إن هو صاح ليلاً، وكان سكان الجزيرة قد تخلوا عن هذه العادة المتوارثة منذ القدم، ومازلتُ أذكر كيف كان الرجال يخرجون ليلاً إلى المقبرة لتذكير من دفن فيها نهاراً، وهم يحملون بأيديهم فوانيس صغيرة
تضيء لهم الطريق قبل قدوم الكهرباء إليهم، وكنت والكثيرُ من الصِّغار نلحق بهم لرؤية مايحدث هناك،
ولكنَّهم اكتفوا مؤخراً بتذكيره بعد الصلاة عليه ساعة الدفن بتحرض من البعض.
قررت أن أفك َّ أنا بنفسي ( وِحْدة َ)عمي ضاربة بالمستجدِ من التنبيهات عرض الحائط .

شعرت بالخوف منذ اللحظة الأولى لامتشاقي سيف البطولة، ولكنَّ عنادي وإصراري على المضي قدماً في تنفيذ ماعزمت عليه حال بين وبين الانصياع لتحذيرات النسوة من الخروج إلى المقبرة ليلاً في هذا الجو العاصف بالريح والأمواج التي تضرب كلَّ ماتصادفه من صخرٍ وبشرٍ وشجرٍبجنون؛ عدا الأشباح الثَّائرة المنتشرة هنا وهناك (كما قالت إحداهنَّ) ولكنَّ أذنيَّ صُمِّتا إلا عما أريد أن أسمعه.
كل شيء كان يوحي بالكآبة في البيت حزن طاحن وغمٌّ داكن وبكاء دائم- فالفقيد لم يزل شاباً، وهو أصغر أفراد العائلة سناً، وأولاده صغارٌ، وهو محبوب من الجميع- وفي الطريق سكون يوحي بكارثة قادمة جعلني أتلفَّتُ يمنة ويسرة خشية المجهول، فالدَّكاكين أغلقت أبوابها، وجميع السكان التزموا بيوتهم لأن الريح كانت تزرع الخراب أينما حلَّتْ، والمياه تتدفق في الحارات والشوارع الضيقة، والظلام خيَّمَ باكراً بعد أن قُطعَ التيار الكربائي، والغيوم السوداء طوت آخر أملٍ لبصيص نوربعد غروب الشَّمس خلف الأفق بوقتٍ قصير.

ثمَّةُ رعشة في داخلي تكاد تسحق روحي جعلت يديَّ ترتجفان ليس برداً؛ بل لاضطراب ٍ في ذاتي الواجفة التي تطوعت للعب دور فضفاض لايليق بارتعاشة أنفاسها المتهالكة في ليلة ليلاء من ليالي الشتاء وليس هو أي شتاء.

دخلت حي المقبرة أستمد بعض القوة من العجوزين أمي وعمّتي اللتين أبتا إلا مرافقتي خوفاً علي من أنْ أصاب بأذى بين القبور( جلطة كانت أو جنونا) وكم تمنَّيت أن أُمْنعَ من ذلك بالقوة، ولكن تجري الرياح بما لاتشتهي السفن.
شارع ضيق يطلُّ مباشرة على البحر لايعبره في مثل هذا الجو القاتم إلا من فقد شيئاً من وعيه كمن يفقد عزيزاً غالياً كعمي الذي كان صديقاً لي عندما كنَّا صغاراً، فهو يكبرني بسنواتٍ قليلة تجمعني به ذكريات طفولتي الأولى التي مازلت أعيش تفاصيلها رغم مرور الزمن..

هذا الطريق الرفيع قسم المقبرة إلى قسمين سُيِّجا بسور حجري لم أره من قبل بسبب هجري لمسقط رأسي منذ وقتٍ طويل، فرأيت وأنا أقترب من باب الجبَّانة الغربية الصخورَ الضخمة التي تشكل سوراً حول الجزيرة الوادعة
تهدَّمَ معظمُه بقوة الأمواج وتعاقب الأيام والسنين ..
كان البرق يلمع فوقها بين الفينة والأخرى عندما يقصف الرعد بعصبية ممزوجة بالصَّخب ، فتراءت لي وكأنَّها جنٌ تجسَّدَ بأشكال مختلفة في ظلام دامس…أحسست بالرهبة وهدير الريح يعوي في هذا المكان المقفهرإلا مني و من هاتين المرأتين اللتين بدتا أقوى من شابة تلحق بهما، وقلبها يصارع الخوف صراعاً مريراً بينما كانتا تتخطَّيان حفر الماء بسهولة، وأنا أجاهد للحاق بهما بصعوبة بالغة.
وصلنا قبر الفقيد بعد أن مشينا بين الأضرحة عشرات الأمتار، وكان رجال العائلة قد نصبوا فوقه خيمة واقية من الأمطار، ليتسنى لمن يزوره في الأيام الماطرة القادمة المكوث تحتها ريثما تنتهي الزيارة، وكان علينا أن نقرأ سورة ياسين ونهبها لروح الميت، ومن ثمَّ نذكِّرُه ُبما يجيبُ به الملكين أنكر ونكير عندما يحضران لسؤاله، وعندما هممنا بدخول الخيمة، وأنا ألهثُ كعجوز سمعنا مجموعة أصواتٍ مفزعة تخرج من وراء القبر لم نتبين هويَّتها، فصرخت صوتاً ربما سمعه سكان الجزيرة كلِّها، وكدت أصاب هذه المرة بجلطة فعلية ..

لحظات بل أقل من لحظات مرَّت عليَّ مرعبة فتاكة، كرهت فيها تلك العادات والتقاليد التي تعودت عليها وأنا صغيرة، ومقت خروجي أصلاً من البيت بدون محرم، وأنا أحس بأنني أجبن مخلوقٍ في هذا الكون، وتأكد لي أن هذا العمل لايرضي سوى الجهلة من الناس، وندمت على ماأقدمت عليه ندماً شديداً، وقبل أن أتهاوى فوق الأرض سمعت صوت والدتي تقول لي:
لاتخافي إنها مجموعة من القطط تخبأت تحت الخيمة هروباً من الأمطار.
لم أستطع أن أقرأ سورة ياسين واكتفيت بالبسملة، وركضت باتجاه باب المقبرة تسبقني النية بالتوبة عن تكرار مثل هذا العمل مرة أخرى، حتى لوكان الميتُ أبي.


بقلم
زاهية بنت البحر
يكفيكم فخراً فأحمد منكم***وكفى به نسباً لعزِّ المؤمن

Advertisements

4 thoughts on “في المقبرة

  1. الغالية الزاهية
    وكأنني أرافقك خطوة خطوة وأحس بانفعالاتك وأراك أمامي .
    أيتها الغالية كما عهدناك دائما” تكتبين بالقلم ولكن قراءك ينتقلون معك بكيانهم وروحهم إلى حيث الحدث ليعيشوه وهذا إبداعك أنت .
    أطال الله لنا بعمرك وزادك من عطاؤه .
    أختك إلهام

    إعجاب

    1. أهلا أهلا بالحبيبة الغالية الهوما
      والله ياأختي يومتها كنت راح انتهي من الخوف. كانت معنا أمك رحمها الله وعمتك صبحية أطال الله في عمرها.. ياساتر شي بقص الظهر.
      ..

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s