مذكرات سحاب 30-40

 

 

تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها

 مذكرات سحاب

21

رافقت  خالتي  وسها إلى سوق الحميدية لشراء بعض الأغراض الضرورية من هناك.. هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها السوق.. دهشت وأنا أتنقل بين المحلات التي تبيع الملابس والأحذية والعباءات المطرزة بخيوط القصب، والعطور الرائعة الرائحة.. كانت السوق تغص بالناس من كل الجنسيات العربية والأجنبية     ..رأيت الأجانب يشترون الملابس الشرقية المزركشة، ويفرحون بها وبعضهم كان يرتديها ويأخذون بها الصور التذكارية بين الناس بواسطة كاميرات التصوير والفيديو، صورني أحدهم وأنا أبتسم له، وكانت البالونات تملأ سماء السوق المسقوفة.. ياااه ما أشد ارتفاع السقف، لاأدري كيف استطاعوا بناءه.. يبدو أنه قديم جدًا..  رأيت الأعمدة الأثرية تزين جنبات أبواب المحلات التجارية، وعندما مررنا من قرب أحد المحلات التي تبيع البوظة وكشكة الفقراء والكاتو، طلبت من خالتي أن تشتري لي بوري بوظة ففعلت ذلك، فرحت وهدى نأكلها بشهية إلى أن وصلنا إلى قرب الجامع الأموي الكبير، وكان المؤذنون قد بدأوا بالأذان.. ياالله ما أجمل صوت الأذان قرب الجامع حيث شعرت بدقات قلبي تزاد وإحساس غريب يخفق بنبضي.. طلبت من خالتي أن تدخلنا إلى المسجد ففعلت لأنها كانت تريد أداء صلاة الظهر.. وعندما دخلت المسجد دهشت وتركت يدها، ورحت أركض بفرح باتجاه الحَمام الكثير الذي كان يلتقط حبوب القمح في أرض صحن المسجد الخارجي، وعندما اقتربت منه فرَّ طائرًا بينما انزلقت رجلي فوق الحبوب، فوقت على وجهي، وأنا أصرخ من الألم، والدم ينزف من أنفي..

22

كانت  خالتي بعيدة عني وأنا مرميَّة فوق حبوب القمح، أبكي ألمًا وخوفًا من الدم الذي ملأ وجهي ويدي بشكل مرعب، فأسرع نحوي بعض الرجال الذين كانوا يتوضأون في صحن الجامع لنجدتي، فأمسك أحدهم بيدي وهو يستعين بالله ويهون علي، فرفعني عن الأرض، ومضى بي إلى الموضأ القريب، فغسل وجهي بيده، وأخرج منديلا ورقيًا من جيبه، وضغط به فوق أنفي النازف ريثما وصلت خالتي إلي على عجل قبل أن تدخل بهو الجامع للصلاة، فأخذتني جانبًا، وأنبتني على ماقمت به من طيش تسبب في وقوعي فوق الأرض، فازددت بكاءً، ولم أهدأ حتى وصلنا إلى البيت، فأسرعت إلى الحمام، وغيرت ملابسي المتسخة بالدم.. كان وجه أختي سها مصفرًا طوال الوقت خوفًا من منظر وجهي الملطخ بالدماء، ورغم ماألم بي من أوجاع فإنني لاأنكر أن مشوار اليوم كان جميلا، ومدهشًا لولا أن انتهي بنزف أنفي المفزع.. ما أجمل بلدي الحبيبة، وما أروع آثارها الخلابة، سأطلب من خالتي أن تأخذنا ثانية إلى سوق الحميدية، والجامع الأموي على أن لا أركض فيه للقبض على الحمام الأليف الذي يملأ صحن الجامع وسطوحه ومآذنه العالية، إنه يزيد من روعة المكان فيشعر الواحد منا بالأمن مادامت الطيور آمنة.. أحببتُ المآذن كثيرًا وبخاصة مئذنة العروس التي لم تعرف خالتي  لماذا أطلق عليها هذا الاسم..

23

ظل اسم مئذنة العروس يشغل تفكيري مدة من الزمن إلى أن سألت أبي ذات يوم، ونحن نشرب الشاي بعد الغداء :أبي ماسبب تسمية إحدى مآذن الأموي بمئذنة العروس؟ هل كان ذلك بسبب صعود العروس للأذان. ضحك والدي حتى ملأت دموعه عينيه.. ضمني إليه وهو يقول: لاياسحاب لا العروس ولا غيرها يجوز لهن أن يؤذنَّ، فالأذان خاص بالرجال وصوت المرأة ياابنتي عورة خاصة إن كان بشيء من الحنان أو الدلع أو الغناء، فلا يجوز أن يسمعه الرجل الغريب غير المحرِم .
فسألته: وهل للصوت عينان قلعت إحداهما فصارت عورة؟!!
عاد أبي للضحك وهو يقول: العورة ياابنتي غير أعور فالأعور والعوراء من قلعت عينه أما العورة فهي تعني أنها محرمة على غير الأهل رؤيتها أو سماعها .
فسألته وهل لي عورة ياأبي ؟
فأجابني: نعم ياسحاب وعندما تصبحين في سن البلوغ فيجب أن تتستري كأمك تماما. وعورتك الآن ماتخجلين بإظهارها أمام الناس وحتى أمام والديك.
احمر وجهي خجلا من أبي وزوجته وراحت هدى تضحك وقد أخفت وجهها براحتي كفيها
فقلت له هروبًا من الحرج: ولكن لم تخبرني لماذا سميت المئذنة بمئذنة العروس ؟

قال والدي وهو يتحدث بفخر عن بلدنا، وعن حضارتنا الإسلامية التي بت أفكر بها كثيرًا وأتمنى أن أعرف عنها كل شيء، فهاهم الأجانب يقلدوننا، ويرتدون ثيابنا الشرقية، ونحن للأسف نجري وراء أزيائهم التي لاتناسبنا كما قالت معلمتي في المدرسة.. ابتسم والدي وهو يقول: قرأت ذات يوم في كتاب لم أعد أذكر اسمه مافيه تعريف بهذه المئذة ( تقع المئذنة في الواجهة الشمالية للجامع الأموي،  وهي معروفة باسم “مئذنة العروس”، لأنها تضيء في الليل فتظهر كالعروس، وينتهي رأس هذه المئذنة بساعة تُضبطُ على دقاتِها أوقاتُ مساجد دمشق كلها ومواعيدُ الأذان، وقد أقامها الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، وطلاها بالذهب، وغدت في ما بعد أنموذجاً للمآذن في سورية وشمالي أفريقية، ونقل طرازها الى الأندلس، وتعد أقدم مئذنة إسلامية ما زالت قائمة.
وتابع والدي الكلام قائلا: ولكن هناك رواية أخرى غير هذه تحكي لماذا سميت بهذا الاسم. سألته عنها فرفض أن يرويها لنا رغم إلحاحي و خالتي بالطلب، وترك الأمر لي كي أبحث عنه في بعض الكتب الموجودة في مكتبتنا ،لأحصل على معلومات أخرى وأنا أبحث عنها. لله ماأذكاك ياوالدي تريد أن تعلمني حب القراءة والبحث.. حسنًا سأقوم بذلك، ثم سأروي لكم أنا سبب التسمية هذه، فانتظرني ريثما أجد الكتاب، وإن لم أجده فسأسأل معلمتي في المدرسة عنها، فهي بلا شك تعرف ذلك أوليست هي معلمة وتعرف كل شيء؟

 24

بحثت في الكتب التاريخية فلم أجد شيئًا يدلني على سبب تسمية مئذنة العروس بهذا الاسم غير الذي ذكره أبي، وعندما سألت معلمتي في المدرسة أخبرتني بما أخبرني به أبي، ولم تزد شيئًا، فاضطررت للعودة إلى أبي ليحدثني عن ذلك.. وعدني خيرًا، وفي المساء عندما كنا نشرب الشاي بعد تناول العشاء، ونحن ملتفون حول المدفأة قال أبي: سأخبركم بسبب تسمية المئذنة الشمالية للجامع الأموي بمئذنة العروس ..
فرحت كثيرًا وجلست وكلي آذان صاغية، بينما كانت  خالتي غير مهتمة بالأمر، وأختي سها كذلك.. قال أبي: ذكرت بعض كتب التاريخ مايلي( أقام المئذنة الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، وأراد أن يدعمها بالرصاص خشية الزلازل والحرائق، فوضع البناءون كل الرصاص الذي تملكه الدولة فيها، واشتروا من الأسواق كل الرصاص أيضًا، ولكن ذلك لم يكفِ فراحوا يشتكون للخليفة حاجتهم الملحة للرصاص، وأخبروه أن أحد التجار في دمشق عنده مايكفي، ولكنه توفي وورثته ابنته الوحيدة، وهي ترفض أن تبيع لهم الرصاص، فطلب إليهم أن يدفعوا لها ماتريد من المال، فعادوا إليه يخبرونه بأنها تطلب أكثر مما يعرضون عليها، فقدم الخليفة أموال الخزينة كلها، فقالت أريد أكثر، فـحارَ الخليفة وسألها ماهو الأكثر الذي تريدينه فأجابت: رضا الله. وقدمت كل الرصاص مجانًا لبناء المئذنة، فأعجب الخليفة بالفتاة وزوجها لأحد الأمراء من أبنائه، ولذلك سميت بمئذنة العروس.

25

ظلَّت قصة بناء مئذنة العروس تتردد في رأسي حتى تمنيت لوأني كنت تلك العروس التي رفضت أموال خزينة الخليفة كلها في سبيل رضا الله. لم يخطر ببالي أن رضا الله يُشرى بمثل هذا الثمن الغالي جدا، فقد دفعت هذه الفتاة كل ميراثها من أبيها، ولم تكن تفكر بالزواج من ابن الخليفة، فكافأها الله به.. ماأروعها من فتاة وما أكرمها من نفس، لم أكن أعرف أن هناك نساء رائعات لهنَّ مواقف تقشعر لها الأبدان غير المجاهدات العربيات المسلمات.. كنت أظن أن معظمهن مثل زوجة أبي التي ظلمتني كثيرًا، أو مثل أمي مظلومةٍ لاحيل لها ولاقوة، أو مثل معلمتي تعلمنا في المدرسة ثم تعود إلى بيتها لتربية أولادها كبقية النساء، أو مثل جدتي همها في الطهي، وغسيل الثياب، وتنظيف البيت وتوبيخ عمتي بهيجة قبل أن تتزوج، إن هي تأخرت في النوم، ولم تجهز لجدي فطوره كي يشرب الدواء، فعمتي كانت تشاهد التلفاز حتى ساعة متأخرة من الليل. بدأت أحبُّ التاريخ وعندما أكبر سأدرسه بإذن الله كي أستفيد من الأحداث التي مرت فيه، فتكون لي دروسًا تعلمني كيف أكون إنسانة مثل عروس المئذنة.. قلت لأبي: أريد أن تكون في الجامع الأموي مئذنة باسمي مثل العروس صاحبة الرصاص التي زوَّجها الخليفة لاميرٍ من أولاده .لاأدري ماالذي جعل أبي يضحك بصوت عال وصل حدَّ القهقهة، فراح يسعل بشدة متأثرًا بالضحك، مما جعل خالتي  تأتي إلينا في غرفة الجلوس تحمل كأسًا من الماء ناولته لأبي ليسكت به السعال، وسألته عن سبب ضحكه الغريب هذا.أخبرها بالأمر وهو مازال يضحك، فنظرت إليَّ بسخرية وقالت: مئذنة باسمك !؟ أمَّا هذه فهي نكتة الزمان كله، من أين لأبيك مثل ميراث الفتاة من الرصاص، ودخله الشهري بصعوبة يكفينا مصروفًا؟ ثم أي أميرٍ تطمعين بالزواج منه ياروح أمِّك؟ لاتتعبي عقلك الصغير بأحلام مستحيلة، واحلمي على قدر واقعك، وإلا وقعت على رأسك، ولن تجدي من ينقذك من مصابك.
هكذا إذن يازوجة أبي تريدين أن تحطمي نفسي بقتل أحلامي قبل أن تولد.. حسنًا سأظل أحلم بما أشاء دون أن أتحدث عن أحلامي لأبي كي لايخبرك بها فتسخري مني، ولكن من يدري فقد يكون لي مئذنة باسمي والله قادر على أن يحقق لي ما أريد.

26

ذهبتُ اليوم مع خالي مهند إلى بيت جدتي لأمي، وكالعادة وجدت خالاتي وأولادهن مجتمعين عندها ..انفردت بي أمي جانبًا، سألتني عن سبب صمتي وحزني على غير عادتي عندما أكون معها.. رويت لها ماحصل بشأن مئذنة العروس، وطلبت منها اصطحابي إلى الجامع الأموي لأمتع عيني برؤيتها فقد سلبت قلبي.. وعدتني خيرًا على أن تقترح ذلك على خالاتي أثناء الغداء، فإن وافقن ذهبنا جميعًا إلى الجامع حيث يوجد الناس بكثرة في صحنه وفي داخله ..
عندما دخلت الجامع من باب سوق الحميدية لم ألتفت يمنة ولايسرة، وإنما كان نظري موجهًا نحو مئذنة العروس.. لاأدري كم من الوقت مرَّ، وأنا أتفحصها شبرًا شبرا.. يالها من مئذنه رائعة حقًا، مبنية من الرصاص، وكما قيل أمَرَ الخليفة الوليد بطليها بماء الذهب ..أين أنت يامن ساهمت ببنائها بميراث الرصاص من أبيك؟ أرجو أن تكوني في جنات النعيم التي عملت لأجلها ..
لقد رحلتِ عن الدنيا وفنيتْ عظامُك، ولكن عملك للخير في سبيل الله ظل حيًا يتناقله الناس أبًا عن جد.. رحمك الله، وأثابك خير الثواب.. ليتني أعرف مااسمك، لاأدري لماذا كتم التاريخ هذا الاسم لصاحبته الكريمة. نعم لصاحبته التي أكل جسدها الدود، ولم تعد تُعرفُ من هي، ظل العمل الطيب وغاب الجسد والاسم معًا.. سأسعى بأعمال الخير مثلك ياعروس، وما همني أن يذكر اسمي بمئذنة، أو غيرها أو لايذكر، فالعمل هو لوجه الله عزَّ وجل، وهو يجزي به الثواب. 

27

كان يوم نحسٍ ذاك الذي اكتشفت فيه خالتي دفتر مذكراتي.. فبعد أن بدأتْ تحسن علاقتها بي، وتكف عن مضايقتي الدائمة، وملاحقتي في البيت بالعمل المستمر، عادت من جديد لما كانت عليه بل أشد ظلما من ذي قبل.. لقد عثرت على دفتري الصغير في حقيبة المدرسة، وهي تبحث عن دفتر العلوم الخاص بأختي سها، فقد أضاعته في المدرسة، وادعت أنه في البيت ولاتعرف أين هو.. قامت خالتي بتفتيش حقيبتي وأنا في منزل جدتي لأمي، وعندما عدت إلى البيت انفردت بي والشرر يتطاير من عينيها، وألقت بدفتر المذكرات أمامي على الطاولة في غرفتي، وسألتني عما بداخله ..ارتبكت..صمت.. احمر وجهي، عرق جبيني، وارتجفت يداي.. كررت السؤال، فأطرقت ولم أجب. أمسكتني من كتفيَّ، وهزتني بشدة ، وكأنها أصيبت بالجنون، فكاد ظهري يقصف.. خفت وأنا أنظر في عينيها الحمراوين المفتوحتين في وجهها كنافذتين تخرج منهما النار لتحرق وجهي المصفر، فانهارت قواي، وشعرت بدوخة مفاجئة كدت أسقط بها فوق الأرض، لولا أن صفعتي على خدي الأيسر صفعة جعلتني أستعيد وعيي، وأنا أصرخ من الألم والخوف، وأستنجد بأبي الذي أقبل مسرعًا، وأبعدها عني قبل أن تسحب روحي من صدري بما ألقته في داخلي من رعب ..

28

أحيانا أحس بأنني أكره الحياة لكثرة ما أجد فيها من عذاب ..ماذنبي كي أبدأ عمري بالحزن، أمشي في طريق وعرة، أسقيها بالدموع، ويحفر أقدامي الوجع.. عندما أرى رفيقاتي في المدرسة يبتسمن دون أن تترقرق الدموع في أعينهن، أتمنى لو أني واحدة منهن أعيش مع أمي وأبي، لايفرق بينهما طلاق ولافراق.. محرومة أنا من حنانهما معًا.. أحس بأن قلبي مشتت بينهما وبين جدتي وعمتي.. أتمنى لو أستطيع أن أمسك بيد أمي بيدي اليمنى، وبيد أبي باليسرى، وأركض معهما في حدائق كلها زهور وطيور وجداول ماء.. نفرش بساطًا فوق الحشائش ونجلس سعداء.. تصنع أمي الشاي وأبي يشوي اللحوم، وأنا أركض خلف الفراشات الملونة وأزقزق كالعصافير .. نظل في الحديقة حتى تغيب الشمس ويبدأ النهار بالانسحاب حاملا معه أحلى الذكريات، ويأتي الليل فنجلس بعد أداء الصلاة نتحدث في أمور مختلفة، يروي لنا والدي قصصا تاريخية تخبرنا عن عظمة بلادنا وبطولة أهلها، وتنشد لنا أمي أحلى الأناشيد التي تعلمني فيها التقى والإيمان ومحبة الله عزوجل ورسوله الكريم.. يالغبائي المفرط، ويالتعاستي المقيتة، كيف سيكون لي ما أريد وأنا قلقة. خائفة تسقيني زوجة أبي الماء مرًا وتطعمني الزاد فاسدا؟ ربما كان وجودي في هذه الحياة ليس مهمًا بالنسبة لأحد، وسأظل على الهامش مدى العمر..

29

صعب على الحزين أن يبتسم.. صعب عليه أن يرى شيئًا جميلا في الحياة مهما كان مدهشًا.. أنا الآن أبكي في داخل نفسي.. أصمت، وأطرق أرضًا.. أود أن أخرج من دائرة حزني التي تشدُّ على رقبتي بقبضة خشنة تريد أن تخنقني..أريد أن أصرخ… أن أركض.. أن أطير.. أن أصبح عصفورًا أحلق عاليًا.. أتنقل فوق الأشجار في كل الحدائق.. في كل البلاد.. فوق البحار والجبال لايقيدني شيء، ولكن جسدي هذا يحبسني ،يشدني نحو الأرض.. أحسه ثقيلا لايساعدني على أن أرفرف بجناحي روحي.. ليت زوجة أبي تشعر بي، فتعاملني كابنتها.. فلا تضربني، ولا تبخسني حقي في السعادة، ولاتحرمني من مذكراتي التي كنت أتسلى بها، فأبث الورق أشجاني، فأرتاح من المؤلم منها.. لو أن زوجة أبي تحسن علاقتها بي الآن، فسأمسك بيدها، وأصطحبها معي في رحلاتي عندما أكبر، ويصبح لي بيت وأولاد مثلها، ولن أكون قاسية معها بل سأشفق عليها، وأنسى مافعلته بي.. يارب ساعدني كي أعيد دفتر مذكراتي منها، فأنا الآن أكتب على ورقة أخذتها من دفتر الحساب، وسأخفيها في مخدتي ريثما أشتري دفترًا جديدًا..

بعد العَشاء جلس والدي يشاهد الأخبار، وكنت أنظف طاولة الطعام، وأجمع في كيس صغير ما بقي فوقها من فتات الخبزالذي نتركه حتي يصبح يابسًا، ثم نضعه في الشاي أو الحليب، فنكسب ثواب حفظ النعمة.. هكذا تعودت منذ أن وعيت الدنيا، وكثيرًا ما كنت أسمع جدتي لأمي تقول: من يحفظ النعمة تحفظه.كلام جميل جدا، ولكنني مالبثت أن نسيته عندما صرخ أبي بصوت عال.. لاحول ولاقوة إلا بالله.. لاحول ولاقوة إلا بالله.  نظرت إليه فوجدت عينيه معلقتين بالتلفاز، فتابعت ماكان يشاهده، فلم أستطع أن أثبت ناظري في الصورة التي تعرض على الشاشة.. كان منظر الدمار بشعًا، والقتلى يملأون المشهد.. وبرك الدماء تنتشر في أمان متفرقة من الأمكنة.. هربت من الغرفة، وأنا ألعن الحرب ومن يقتل الأطفال والنساء والعجائز. أنهيت عملي في المطبخ، وأسرعت إلى غرفتي لأغرس أحزاني فوق سطور ورقتي شتلات ألم بمذكراتٍ تمتص بعضًا من وجعي، وما ألبث أن أضع رأسي فوقها لأراها في النوم بتفاصيل مطولة، وأشياء غريبة تشبه الواقع في شيء وتختلف عنه في أشياء، ولكنني لاأستطيع تحديدها تمامًا ..

30

وما زلت أركض في الشارع الخالي من المارة، والظلام يخيم فوق الطريق.. أركض.. أركض، أحس بأني مازلت في مكاني، وأنَّ رجلي ثقيلتان لاأستطيع رفعهما عن الأرض، والرجل الذي يلاحقني يحمل سكينًا كبيرًا يلمع كعينيه الدائريتين، ومعه كلب أسود كبير، فأحاول الإسراع، ولكنني أقع فوق الأرض، فأنهض ثانية بصعوبة وأركض.. أصرخ فلا أسمع صوتي.. أنظر خلفي.. مازال الرجل وكلبه يلاحقاني، ويكاد يقبض علي.. ياإلهي هاأنا ذي فوق جبل شاهق الارتفاع، والرجل يلاحقني.. أحاول الفرار منه، فأرى البحر أمامي، فأكاد أسقط فيه من أعلى الجبل ..أصرخ، ويظل صوتي مخنوقًا.. ألهث.. أبكي بلا دموع .. أحس بالاختناق.. لامعين لي ..مازلت وحيدة، وهذا الرجل المقنع بالسواد يطاردني .. أمي ..أبي ..جدتي.. لاأحد يرد علي..لامعين لي.. ياويلي يكاد يقبض علي.. وأسمع صوتي بعد طول اختناق ينادي ياالله ..ياالله.. ياالله، أفتح عيني وأبي فوق رأسي يعيذني بالله من الشيطان الرجيم، ويقرأ آيه الكرسي.. أتكمش به وأطلب منه إبعاد الرجل المقنع وكلبه عني، فيدفنني في صدره ودموعي تغسل وجهي..

يتبع

الحقوق محفوظة

تعليقات تحرير

4 thoughts on “مذكرات سحاب(3)”

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s