h1

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)75

يونيو 8, 2011

بحر هائج   يتشهى الفتك بمن تطاله أمواجه الهادرة من أرواح وجماد، وعجوز ثائرة يخشى عليها من فتق السّرّة  وارتفاع السكر، وضغط الدم،  ومن ذبحة صدرية مفاجئة تتجسد بضربة قاضية تنهي حياتها على شاطئ البحر، وشابة في  خضم مخاض عسير تتلوى وجعا بين الحياة والموت.

نهب الخوف تماسكه المزمع  صموده والليلُ يلفظ  أنفاسه الأخيرة، فارا به نحو المجهول على جنح  نعيق أم فاضل الذي علا شاقا أستار العتم بهدير ازعاج مقلق، ناشبا في قلبه مخالب  خطب  مفزع قد يحل بغزالته الوديعة.. المستسلمة  للقدر.. الراقدة تحت  المطر  تعبث  بها الريح بفوضى عصفٍ  طائش بغيض.

–  لماذا يا أم فاضل أتيتِ الآن؟ حرام عليك يا امرأة.. سراب تموت وهاشم يختنق، ألا تحبين رؤيته وهو يسبح في بحر الجزيرة، وأمه تناديه خوفا عليه من الغرق؟

تقدم منها.. ليقول لها ما دار في خلده.. استجمع شجاعته كلها في لحظة واحدة والمطر ينصب فوق رؤوسهم بلا حدود.. قرر أن يلبس كلامه  في عزِّ البرد ثوبا حريرا غاليا بألوان زاهية  تحبها النسوة حتى العجائز منهن.. لن يخسر شيئا.. سعر الكلام معنوي مهما كان بليغا.. مؤثرا، وفي مثل هذه الحال يرخص كل شيء أمام الحاجة الملحة إلا الكرامة..

رأته قادما صوبها وابنها في زورقه يطلب منها العودة إلى البيت.. استدارت نحوه. وقفا وجها لوجه.. ثبتت عينيها في وجهه- كنمرة تستعد للهجوم على فريستها الواجفة.. المرتعدة خوفا من مصير محتوم- والشرر يتطاير منهما كتلك الصاعقة التي ضربت بالأمس قاربا صغيرا على الشط فأحرقته، وأصابت من كان قربه بحروق بليغة.

 للوهلة الأولى ظنها صاعقة محرقة.. بل أفعى برأسين.. بل جنية خرجت من الظلام لتقتل سراب وهاشم. سمع عن جنيات يقال لهن التابعات يقتلن الأجنة قبل اكتمال نموهن في الأرحام.. أتراها تكون إحداهن بثوب أم فاضل؟

نفذ وقود شجاعته التي جمعها قبل قليل.. خاف منها.. من نفسه أن  تقترف خطأ بكلمة جارحة يرد بها على هجومها الكريه..  فالشَّرُّ تعرف بالمقدمات نتائجه، وهي مسلحة بسلاح  أمومي للمحافظة على حياة ابنها دون الحاجة لكتائب وفيالق، فحبها له أقوى من كل الجيوش وسلاحه أمضى من أيِّ سلاح.

الوقت يمر والغزالة تئن، والريح تعوي وأم فاضل تكيل لعادل الشتائم دون تورع، يغادر ابنها زورقه على استحياء مما سببته له من إحراج أمام الرجل المسكين الملوع على أهله.. يمضي بأمه إلى البيت، وعينا عادل تتفجر دمعا وغضبا.

لم يعد أمامه خيار آخر.. قرر العمل بسرعة قبل أن يفقد حبيبته وابنه.. أسرع إلى سراب.. طلب من النسوة مساعدته للوصول بها إلى زورق فاضل.. اجتمعن حولها.. حملنها بعزم اللهفة لإنقاذها، وعادل يقود الموكب إلى الزورق.. لم يعد يخشى شيئًا فالوقت يضيق، والموت يقترب منها إن لم يكن قادرا على مد شراع شجاعته.. يتحدى بها الريح، والمطر، وجنون البحر، ونعيق أم  فاضل..

بقلم

زاهية بنت البحر

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: