h1

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)67

يونيو 1, 2011

 

لأنه لم يعتد مد يده لغير الله طلبا للعون، صعبت عليه نفسه وهو يسأل أصحاب الزوارق واحدا واحدا أن يطلعوا به وزوجته إلى البرِّ بأي أجرٍ كان..

 لم يلقَ من أحدهم قبولا.. ركوب أمواج البحر اليوم بثورته الهادرة تعني الانتحار.. الروح غالية.. الأطفال بحاجة لآبائهم أكثر من حاجتهم لمال عادل.. اليتم وحش مفترس ينهش أكباد الصغار، وقلوب الأرامل الراعيات لهم طوعا أو قسرا..

رصيف الميناء الصغير متشح بالوحشة.. غارق بالذهول.. مفعم بالقلق.. كسر البحر أوانيه الكرستالية المغرية بلمعانها تحت أشعة الشمس الذهبية أيام الصحو ومياهها المالحة تبرق بألوان قوس قزح.

عاش كريم النفس، مرفوع الرأس منذ الطفولة.. لم  يحنه لغير مولاه ولأمره بخفض جناح الذل من الرحمة لدرة.. من أجل سراب تخلى اليوم عن شيء من إرث كبريائه.. ألح بالطلب ولم يعتده.. ترجى.. توسل.. كادت دموعه تفضحه لجرحين في صدره، فأمسك بها رحمة بشآمة ماضيه.. سراب تستحق التضحية.. أجل هي تضحي اليوم بحياتها لتهب له هاشم.. لتسعده وأمه فماذا قدم هو لها؟ أيتركها لقمة سائغة للموت دون أن يعمل المستحيل لرد الأذى عنها؟

 نظر إلى السماء بحزن.. بحرقة.. برجاء.. طلب العون من الله.. توكل عليه.. سأله أن يجعله راضيا.. قانعا بمشيئته، فللشيطان في حال العسرة دروب ممهدة إلى قلوب وعقول المحبطين من الناس مهما كانوا أقوياء إلا من رحم الله، وهو اليوم في أشد ظروفه عسرة وأحلكها ليلا، وأكثرها مناعة على الحل المريح، فدعاه بقلب سليم أن يجعله من الذين شملتهم رحمته، فيطمئن قلبه، وظل يذكر الله خفقا بنبضه المرهق.

يقر عادل بضعفه.. انكساره.. أمور كثيرة ألفها مع أمه وأخته في صحن الزاد منذ أن وعي الحياة.. جبر الله قلبه بزوجة صالحة.. محبة.. صبورة.. رتقت جراح يتمه بلمسات قلب حنون.. طالت أعماق أعماقه شفته من الحزن.. كان يريد منها طفلا بكل ما لديه من شوق لمكاغاةٍ تملأ البيت تغريدا، لكنه لم يشأ يوما استبدالها بولَّادةٍ رغم قحط السنوات العشر الماضية، وإلحاح أمه عليه،  فامتنع.

اكتفى بواحدة استطاعت اختصار نساء الأرض جميعا، حبا، فكرا، وحنانا. حبها كان معجزة أتاه على حظ من نِعم.. علمه أصول الحياة بما يتناسب مع واقعه المحيط به.. عاش مرتاح البال، لايتطاول ولا يتقاصر عما يستحقه. رضي بأقداره وأرضى من حوله، فعاش سعيدا.. آمنا.. لم يتسكع يوما في شوارع الحيرة وطرقات الضياع.. لم يشغل باله بما لاينفعه.. واثق الخطى يمشي فوق أرض صلبة بالرضا دون خنوع.. تمسك بيده زوجة همها سعادة بيتها بمن فيه.. هما مقتنعان بأن سعادة المجتمع تبدأ من سعادة بيوته، ووعي أفراده، وتفاهمهم كعائلة واحدة مع حفظ الخصوصيات..

لم يجرب الدخول في أمور لا تعنيه كي لا يسمع مالا يرضيه.. لك الحمد والشكر يا رب.. دائما يصدح بها قلبه.. اليوم يناديه أن ساعد سراب حبيبته..

 وضعَ رأسه على صدر رجائه خاشعا لله، وهو يطرق باب “فاضل حمدي” عله يقبل الإبحار بهم إلى البر قبل  حدوث كارثة قد يلقى بها حتفه حزنا على حوريته الحبيبة.

كان يتوقع الرفض من فاضل، فهو زوج وأب لسبعة أطفال.. ويعيل والدته العجوز.. أحواله المادية أقل من المتوسطة لكنه أيضا لايشكو العوز إلا لله.. الرجل معروف بشهامته، ولكن للشهامة حدود، ولن تكون شهامة إن ألقت بحاملها إلى التهلكة بل ستكون وسيط انتحار مع سبق الإصرار.

بقلم

زاهية بنت البحر

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: