بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)45

في  أحد مقاهي الجزيرة المطلة على البحر، جلس عادل مع أصدقائه بعد عودتهم  صباحا من لمِّ شباك الصيد من عرض البحر بعيدا عن الجزيرة بعدة كيلومترات.

كانوا سعداء وهم يتجاذبون أطراف الحديث، فقد وقعت اليوم في شباكهم أفواج كثيرة من الأسماك الغالية. فأل خير بتوفيق من الله  أحس به عادل وهو مقبل على فرح بمولد طفله الأول.

قال أحد الصيادين وقد علت وجهه ابتسامة عريضة:

–        والله ياشباب ليس هناك بالنسبة للصياد فرحة كفرحته عندما يعود من الصيد والفلوكة ممتلئة بالأسماك حتى البروَّة.

   قال عادل:

–   بل هناك فرحة أكبر.

سأله: ماهي؟

أجابه:

–       عندما تنط الأسماك عائدة إلى البحر لامتلاء الفلوكة بها حتى حلقها، في هذه الأثناء يكون الصياد في قمة سعادته ولا يتأثر بهروبها منه  كما لو فعلت ذلك في أوقات شح البحر.

–        ياأخي حياتنا صعبة جدا، وأي شي من خيرِ الله يفرحنا.

–      الأرزاق من عند الله.. هناك صيادون لايجدون لقمة العيش إلا بشق النفس، وهناك من تُملأ فلايكهم بالأسماك كل يوم.

–       ياأخي الصيد بالديناميت غير الصيد بالشباك، فالأول يحصد كل الأسماك التي هي في دائرة التفجير الذي يقتل الكبير منها والصغير، فتقلَّ الأسماك في البحر، وهذا يمنعه القانون ويعاقب فاعله.

–       أجل هذا صحيح لكن صياد الشباك مثلي ومثلك بالكاد دخله يكفي مصروفه.

–        معظم الصيادين يشكون ضيق ذات اليد، قبل أيام ذهب البارومة أبو سارة إلى مسمكة أبو مصطفى يريد أن يبيع له شباك الصيد التي لايملك غيرها، كان بحاجة لمبلغ من المال لم يستطع توفيره، فالناس كما تعرف جيوبهم فارغة، وأصحاب الممتلئة عيونهم ضيقة، وأياديهم مقبوضة، لكن أبو مصطفى كثر الله من أمثاله عندما عرف سبب عرض البارومة شباكه للبيع، أعطاه المبلغ ولم يأخذ منه الشباك وقال له :

–         “لاتبع القفة التي تطعم منها عيالك”

–         صدق أبو مصطفى، فالشباك هي القفة التي نطعم منها أولادنا.

–        كل الصيادين يحبون أبو مصطفى لأنه يحن عليهم كأولاده.

–        ندعو له بطول العمر، فقد سمعت بأنه مريض وهو بحالة خطرة.

–        عافاه الله ورده لنا فهو الأب والمعلم الذي نحبه ويحبنا.

–        آمين، أبو مصطفى رجل قل أمثاله في هذا الزمن خلقا ورحمة وطيبة.

عندما يجد الإنسان نفسه بحاجة ماسة لشيء ما، يسعى إليه بجد ونشاط، يقدم في سبيل نواله الغالي والرخيص، لا يهتم بالصعاب وعثرات الطريق مادام يعلم أن فيه أمل يحقق له حياة كريمة، تغنيه عن سؤال الناس أعطوه أم منعوه.

 كفاحه في رحلة الحياة يحتاج لمن يمهد له الطريق بشيء من المساعدة وكثير من التشجيع، لكن لسوء حظ الإنسان فإن من يرحمه في الأرض هم قلة، بينما الأكثرية هم من قساة القلوب الذين لاتهمهم إلا مصالحهم الشخصية فيأخذون كل شيء، ويعطون المحتاج منه الفتات.

قلوب الضعفاء تتعلق بمن ينصرهم كقلوب المحتاجين التي تتعلق بمن يعينهم ويرأف بهم عندما يجدون أنفسهم في بؤر العوز لا يسألون الناس مساعدة، فتهوي إليهم قلوب الكرام، والكريم للكريم معين. الصياد في الجزيرة هو عين ساهرة، ودمعة صابرة، وهمة هادرة تتربص به في خضم البحر أمواج غادرة.

الصياد في الجزيرة لاييأس من فرج الله مهما اشتدت به المحن، بعزيمة وإيمان ظلَّ يستقدم من الخسارة الربح، ومن اليأس الأمل، ومن الفقر الغنى.

 

بقلم

زاهية بنت البحر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s