h1

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)43

مايو 18, 2011

حضرت السيدة شيماء بعد ساعة ونصف، تحمل فوق كاهلها سبعين عاما ونيف، أمضت معظمها برفقة النرجيلة التي  لم تزل تعتبرها الصديقة الوفية لها، كاتمة أسرارها، حافظة ودها، مؤنسة وحدتها في ليال الشتاء الطويلة بعد وفاة زوجها الريس محرم أحمد، تجمع حولها صديقاتها العجائز منهن والصبايا  اللواتي يشرفن على تقديم الضيافة للساهرات- ممن يعمل أزواجهن في السفن التجارية قباطنة أو بحارة، تاركين الجزيرة ومن فيها لأشهر وسنوات- فيحضرن الحلوى والنراجيل، والقهوة والشاي طوال السهرة، والنسوة يتجاذبن أطراف الحديث، ويروين الحكايات الجميلة، وهن يتناولن الفاكهة ويشوين الكستناء، وبعضهن ممن هن بحاجة للمال يجلسن على جلود الخراف فوق البساط الصوفي  يحكن الشباك للصيادين.

أم عادل لم تكن ممن يسهرن عند شيماء الرابح رغم صداقتهما الطيبة التي امتدت عقودا من الزمن، فهي لا تحب الأجواء التي يملؤها دخان النراجيل والجميع يعرفن عنها هذا، لكنها كانت تزورها في النهار خاصة في الصيف حيث ضرر الدخان الذي تستنشقه من نرجيلة شيماء يكون أقل في خارج الغرفة المغلقة، فتجلس معها أمام حوض الورود تحتسيان القهوة.

درة تكبر شيماء بسنوات عدة لكنها تبدو أصغر منها سنا رغم الهموم التي تعيشها، ربما كان للنرجيلة أثر في غزو الشيخوخة لها منذ أكثر من عشرين سنة، ويقال بأنها تعاني من مرض ما في الرئتين لم تفصح عنه بعد.

شيماء الرابح يدها دائما ممدودة بالخير للفقراء والمساكين، فقد ورثت عن زوجها ثروة كبيرة، وأولادها يقدمون لها المال، فهم في حالة مادية جيدة، وكثيرًا ما قامت مع درة بجمع الصدقات من الأغنياء وإدخال السعادة بها إلى نفوس اليتامى والأرامل دون أن تجرحا به شعورهم، وكان حضورها اليوم مناسبا لعرض قضية رزق من أجل بناء غرفة له في حوش بيت أبيه الذي سجله لزوجته رضوى.

قامت سراب بواجب الضيافة على أكمل وجه، وعندما سألت السيدة شيماء عن سرِّ إرسال الببغاء لهما أجابتها:

–         رأيت الفرح بعيونك وأنت تلاعبينه فأحببتُ أن أرسله في ضيافة أترك لك تقدير مدتها.

 

شكرتها سراب بحمرة خدٍ على ما أولتها به من اهتمام لا يصدر إلا عن ذوي النفوس الشفيفة.

تكلمت أم عادل كثيرًا واستمعت لشيماء كثيرا، ولكن ظل في جعبة نفسها كلام ترددت عن قوله خشية مضايقة الزائرة التي كانت تنفخ الدخان من فمها إلى الفضاء برائحة التنباك العجمي، فحزمت أمرها وتهيأت لإخراج الحصوة التي كادت تخنقها حشرجة في حلقها.

لكلِّ إنسان في هذه الحياة أسلوب يتكلم به بما يجول في نفسه من فكر وما يود قوله لجليسه، منهم من لا يستطيع مستمعه تحمله بضع دقائق، ومنهم من لا يريده أن يصمت أبدا، أما درة فكانت ممن يدخلن السعادة إلى القلوب بحديثها الشيق الممزوج بالحكمة، والأشذاء الطيبة.

على بساط أحمدي جرى الحديث حول التدخين ومضاره بين المرأتين، وسراب توليه اهتماما كبيرًا لمعرفتها بقدرة حماتها على الفوز بما تريد إيصاله لمحدثها أيا كان، لكن الأمر اليوم يختلف مع مدمنة تنباك منذ أكثر من نصف قرن، فالفتيات في الجزيرة يتعلمن التدخين منذ الصغر لأن أمهاتهن يعتمدن عليهن بتحضير النرجيلة، فيأخذن منها عدة أنفاسٍ قبل تقديمها للضيوف فتفقس في أفواههن، ويصبحن مدخنات صغيرات لا يستطعن ترك النرجيلة مدى الحياة.

بقلم

زاهية بنت البحر

2تعليقان

  1. رواية من الواقع الإفتراضي الشعبي ألبَستْها الزاهية لبوس الخير والجمال الذي نسجته لنفسها . بانتظار الأمل في حياة أفضل .


  2. ما أجمل حضورك النوراني أستاذنا الجليل عبد المنعم محمد خير اسبيرحفظك الله ورعاك
    أختك
    زاهية بنت البحر



أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: