h1

بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)41

مايو 15, 2011

 

في الشهر الثامن من الحمل بدأت سراب تخرج من البيت مع زوجها وأحيانا برفقة حماتها للمشي ساعة من الزمن حسب تعليمات القابلة القانونية، لأن الحامل كما أخبرتها تستنشق الأوكسجين ويأخذ الجنين كميه كبيرة منه، والمشي يسهل الولادة على ألا ترهق نفسها  أثناء السير، فكانت تخرج من المنزل متأبطة ذراع عادل كل يوم بعد صلاة العشاء، ويدوران حول الجزيرة دورة كاملة ثم يعودان إلى البيت، وكانت أم عادل ترافقها أثناء انشغال ابنها بعمل ما، أو حين تأخره عن الحضور باكرا.

في إحدى هذه الطلعات اليومية مرَّتا من أحد الأزقة الضيقة في طريق العودة، وهناك التقتا بــ “شيماء الرابح” وهي تهم بدخول منزلها، فأقسمت عليهما أن تسهرا عندها لساعة من الزمن.. حاولتا الاعتذار عن الدعوة فلم تنجحا، فدخلتا المنزل الذي يشبه حديقة صغيرة من كثرة الزهور والورود التي تملأ الدار، وتزينها بأجمل الألوان الخلابة وشذاها الفواح يملأ الأجواء عبيرا.. أكثر مالفت نظر سراب القفصُ الكبير الذي كان في الجهة الشمالية من الغرفة، وسجينُه الببغاء الرمادي اللون الذي ظل يصفر ويتكلم بجمل مفهومة وبعضها غير مفهوم بصوت يقلد فيه صوت الإنسان، فكانت في بعض الأحيان تظنه رجلا عندما تندمج في حديث ما مع السيدتين، فتظن أن أحدا دخل عليهن البيت، ما تلبث بعدها أن تنفجر ضاحكة.

أخبرتهما السيدة شيماء أن ابنها سارية قد أحضره لها هدية من أفريقيا عندما كانت سفينتهم هناك، وقد وجدت فيه مؤنسا يسليها في أوقات وحدتها بعد أن تزوج أولادها، وباتت وحيدة تمضي وقتها بالعناية بالزهور والببغاء الجميل، وهي اليوم تسمع من خلاله  أصوات أولادها وأحفادها إن هم غابوا عنها فهو مقلد ماهر.

لبعض وقت انشغلت سراب بهذا الطائر العجيب الغريب المخيف أيضا، كاد أن ينقر سبابتها لولم تبعد يدها عن القفص، أعجبت به جدا فهي لم تره من قبل عيانا، وكانت قد قرأت عنه ذات يوم بأنه طائر يستطيع تقليد صوت الإنسان لأن لسانه سميك ويقلد أي شيء يسمعه فيخرج الكلمات والنغمات حتى صوت انسكاب الماء من الصنبور، وصوت رنين الجرس، وقرأت أيضا أنه عندما يعيش في الغابة يقلد صرخات الحيوانات الأخرى أما صوت صراخاته الخاصة به فحاد جدا ومزعج.

أعجبت سراب بهذا الكائن البديع، وظلت عيناها معلقتين به طوال السهرة، وهي تلاعبه فيقفز في القفص بردود فعل ملفتة، وأكثر ما أعجبه به طريقة أكله بزور دوار الشمس بعد أن يقشرها بلسانه ولها صوت يشبه صوت البزور أثناء تقشيرها بين أسنان الإنسان.

 لاحظت شيماء الرابح انبهارها به الذي شغلها عن معظم الأحاديث التي دارت بينها وبين أم عادل، فرأتها كطفلة صغيرة تعلقت بلعبة جميلة ذكرتها حركاتها البريئة بابنتها سارة المغتربة في أمريكا، فشعرت بنبضات حب تجاهها جعلتها تخرج إلى حديقة البيت، وتجمع  طاقة من ورود قدمتها لها وهما تغادران منزلها.

حدثت سراب عادل عن الببغاء وعن انشغالها به، وتمنت لو يقتني لها مثله فقد سلب لبها، فوعدها خيرا إن هو سافر ذات يوم إلى أفريقيا لأن ثمن الببغاء في بلادنا غالٍ جدا.

في الصباح قرع باب أم عادل.. أسرعت لمعرفة الطارق.. فوجئت عندما رأت حفيد شيماء الرابح يحمل قفصا حديديا كبيرا في داخله الببغاء الذي فتن سراب.. ناولها القفص وأخبرها بأن جدته تبلغهما السلام وسوف تأتي لزيارتهما بعد ساعة.

كادت سراب تطير من الفرح عندما رأت الببغاء وسمعت صوته يصرخ بكلمات كثيرة. تركت عملها في المطبخ، وجلست قبالته تلاعبه وحماتها تنظر إليها بسعادة رغم الحيرة التي سيطرت عليها، واستغرابها من أمر إرسال شيماء الرابح الببغاء إليهم.

 

بقلم

زاهية بنت البحر

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: