بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)35

وكما تهب ثورة الفرح عارمة تعمي عيون القلب عن كل ماعدا الحدث المفرح، فإنها تهدأ رويدا رويدا، ومع مرور الوقت تخمد تحت طبقة  رقيقة من التناسي، أو سميكة  بحسب أهميتها للنفس الحاضنة لها، بانتظار ما يثيرها مجددا من رياح محببة تذروها ملء القلب والأجواء، كذلك عادت سراب إلى طبيعتها خارج أي مؤثرات تبعدها عن التفكير بتأخر عادل خارج البيت.

في غرفتها، وهي ممددة فوق سريرها راحت تستعرض بصورة لاإرادية أحداث اليوم بكل ما حمل لها في جعبته من إرهاقٍ وإشراق.. تبتسم حينا، وتقطب حينا آخر.

 في إحدى محطات الذاكرة استوقفتها نقطة تفتيش بدأت تتوضح هويتها شيئًا فشيئًا.

نهضت من سريرها.. مشت في الغرفة الصغيرة ذهابا وإيابا في محاولة للإجابة على أسئلة طرحت عليها في خضم تصارع أفكارها المنهالة فوق دماغها في لحظة طلبت فيها الراحة، فأغرقتها بوابل من التساؤلات المشروعة، وإن كانت بصورة مزعجة على أية حال.

“لماذا تفتح أم عادل الصندوق اليوم مستبقة مولد الطفل، وتريها الفستان مخالفة بتسرعها هذا وصية حماتها؟” هي تعرف جيدا من خلال الزمن الذي عاشته معها بأنها امرأة صادقة إذا عاهدت صدقت العهد، وإن وعدت أوفت به، لكنها اليوم….. تدور رأسها بها، وعيناها تجولان في الغرفة أنى اتفق مبحرة في خضم هائج من الهواجس المخيفة.

لقد  عادت  اليوم من الخارج مرهقة، متعبة سقتها مغلي الكمون، وأحضرت لها طشت المياه الساخنة.. هي مريضة بلا شك، ولكنها تحدت أوجاعها التي لم تفصح عنها بما فيه الكفاية، ونهضت تنبش في الصندوق بعزم من حديد.. ترى أيمكن أن تكون …

لم تستطع إكمال الفكرة التي هاجمتها بغتة، استعاذت بالله من وساوس الشيطان، وخرجت من الغرفة لتكون بالقرب منها فقد تحتاجها بشيء ما، أو تستطيع تقديم أي مساعدة في حال وجدتها بحاجة لها، أو حتى لو لم تكن بها فيجب عليها ملازمتها طوال الوقت مادام عادل غائبا.

ابتسمت درة في وجه سراب عندما تلاقت عيونهما.. دعتها للجلوس بالقرب منها. استجابت للابتسامة، ولكن القلق الذي احتلت جيوشه كيانها لم يستجب لوقف  حدة المخاوف بهدنة قدمتها درة لسراب على صحن من بشاشة. نهضت العجوز من مجلسها.. همت بالخروج من الغرفة.. سألتها سراب:

–        إلى أين؟

–        لإحضار القهوة.

–        استريحي.. أنا أجهزها.

–        بل أنا.. اطمئني لست متعبة، أشعر بتحسن كبير عما كنت عليه عندما عدت إلى البيت.

–        الحمد لله.

–        دائما له الحمد والشكر.. احضري لي الشباك ريثما أعود، أريد تكملة حياكتها فقد تأخرت بتسليمها للريس عجران.

–        لاداعي للعمل بها اليوم، غدا أو بعده تتابعين الحياكة.

–        لاعليك، أحضريها واتركي الأمر لي.

 

وهما تحتسيان القهوة كانت أم عادل تجلس فوق البساط مادة رجليها وقد علقت رأس الشبكة بإبهام قدمها الأيمن، وأمسكت بيدها اليسرى بعضا منها وباليد اليمنى  القصبة التي تحيك بها الشبكة.

سألتها سراب:

–        ألا تتعبين من هذا العمل ياامرأة عمي؟

–        بلى، ولكن حياكة الشباك أصبحت جزءا من حياتي بعد وفاة عمك أبو عادل، فقد أمنت لي دخلا ماديا ساعدني كثيرا في تربية َولدَيّ دون أن أحتاج لأحد غير الله.

–        العمل عبادة، يحفظ كرامة الإنسان، ويرفع من مستوى حياته المعيشية.

–        أجل يا ابنتي، خاصة للتي فقدت زوجها وهي قادرة على العمل، فلا تنتظر شفقة الناس والمحسنين الذين يقدمون  الصدقات وعيونهم ماتزال معلقة بها.

–        صدقت.

–        وهناك من يتباهى بها أمام الناس دون أدنى مراعاة لمشاعر الفقراء والمحتاجين واليتامى وخاصة الأرامل، يعني يعطونهم اللقمة بمنة وأذى.

 

بقلم

زاهية بنت البحر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s