بانتظار الأمل(رواية لزاهية بنت البحر)34

ما الذي تسمعه أذناها؟!! كلام عميق بحاجة لانتباه بكل الحواس كي تدرك معناه وما خلف المعاني، درة الأنثى البسيطة، المتواضعة  التي لم تدخل مدرسة يوما والتي حفظت في الكتَّاب أجزاء متفرقة من القرآن الكريم، تصدح الآن بكلمات جميلة، منمقة، بديعة  يسكبها قلبها في حروف من عبير، تعطر أجواءها النفسية المبتهجة بهذه القامة السامقة التي تحمل فوق أكتاف عمرها الطويل الكثير من المعاناة خلال العشرات من الفصول الاربعة.

لله ما أعظم الفرح بعد الحزن وما أروع الأخذ بعد الحرمان. أمور بسيطة جدا قد لا تلفت انتباه أحد، بل قد يراها البعض غير ذات قيمة إن هم مروا بها أو سمعوا عنها، لكنها عند من تشكل لديهم قيمة غالية، سامية لابد أن تكون ذات صلة بأحاسيس ومشاعر سعدت بها يوما، فحفرت في أعماق ذواتهم فوق جدران الشرايين محبة اختلطت بنبضات القلوب، فعاشت مشتعلة الخفق تأبى الوأد حتى آخر نفس يعلو به الصدر ويهبط.

سراب تقرأ حماتها في هذه اللحظات الراقصة بالحبور، تقرأها صادقة النفس، متصالحة مع الزمن، تغمرها الطمأنينة بهدوء ذاتي يحركه بشير الأمل بهبات النسيم القادمة من حدائق المنى.

–        ما هذه الصرة يا امرأة عمي؟

تفرد الطبقة الأخيرة من القماش الملتف حول السِّرِّ.. الشمس مالت للغروب والوقتُ يجدل شعرها بقصاقيص ذهب.. بفضول محبب مدَّت رأسها من بعض ثقوب نافذة الغرفة المغلقة.. تصافح السِّرَّ بضيائها الهادئ.. تلمع خيوط القصب فوق صدر فستان طفل صغير يسلب بريقه لبَّ سراب.

–        ما هذا يا امرأة عمي؟

–        فستان عمك أبي عادل عندما ولدته أمه، طرزته بخيوط الفضة والقصب بيديها، أهدتنيه عندما ولد عادل، وطلبت مني أن يكون لابنه من بعده.

–        يا الله ما أبدعه..

–        لم ير النور منذ سكن الصندوق بعد أن أصبح عمر عادل أربعين يوما ولم يره أحد منذ ذلك اليوم.

حملته سراب بيديها، اقتربت به من النافذة حيث منبع ضوء الشمس، فتحت الشباك فاندلق منها نور برتقالي بديع أضفى على الفستان بهاء وروعة  انعكست ألوانها الخلابة على جدران الغرفة وعلى وجه أم عادل الباسم المشرق بالفرح.

ضمته سراب إلى صدرها ودارت به حول نفسها عدة دورات مغمضة العينين :

–        أراه جميلا، وهو يرتدي الفستان الطويل ..

–        بإذن الله نراه معا ياسراب ..

–        خبأت صورة ابني في قلبي وأنا ألبسه الفستان البديع .. لن أريه للناس أخاف عليه من عيونهم. 

–        سأقرأ المعوذتين وياسين وتبارك..

–        سأذهب بالفستان إلى غرفتي ليراه عادل.

–        انتفضت درة وكأن شيئًا مزعجا قد ألم بها:

–        لا لن يراه أحد قبل أن نلبسه للوليد.. هذا هو الوعد الذي قطعته لامرأة عمي ..

–        حسنا سأضعه في خزانتي بانتظار الولادة.

–        لا.. بل يبقى عندي في خزانتي، هيا اذهبي وحضري الطعام..

–        يبدو أن الفرحة أنستك  بأن الطعام جاهز للعشاء، أما تشمين رائحة الديك المحشي؟

–        يووووه.. نسيت والله.. ولكنه نسيان  مقبول وليس خرفا.

 

بقلم 

زاهية بنت البحر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s