بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)31

 

أم عادل العجوز الوقورة، السيدة الحكيمة.. التي تزن كلامها بميزان الذهب، رأتها سراب الآن خارج الإطار الذي عرفتها به سابقا، رأتها بروح شابة رغم تغضن وجهها الذي غزاه الزمن، فأحاله إلى  ما يشبه صحراء قاحلة ملأتها الشقوق.

 تأكدت اليوم أن السعادة الداخلية للإنسان تضفي عليه جمالا غريبا مضاءً بشباب لا يمتُّ بصلة من قريب أو بعيد لمقاييس الشباب الجسدية والنفسية، ولا يحبس نفسه بقيود الوقار والحكمة التي لاتلزمه في مثل هذه اللحظات الشفيفة،  فينبت من ذات النفس حرا لا تحده حدود، وتعجز كل الأطرعن لمه في صفة معينة لأنه خارج الزمن الذي هو فيه.

سألت نفسها عن سر هذا التبدل اللحظي  في كيان الإنسان، وكيف يحدث دون ترتيب مسبق، فلم تسعفها ثقافتها المحدودة بالوصول إلى جواب، لكن عندما نظرت إلى مرآة حماتها العتيقة رأت نفسها أيضا في وجه مغاير لما كان عليه عندما صافحته لحظة دخول الغرفة. وجه متعب، شاحب، تعلو نضارة شبابه ملامح كآبة لم تشأ أن تظهرها لحماتها، ولكنها تحدت إباءها وتربعت فوق ربيع عمرها الغض، وأم عادل مشغولة بتاريخ عمرها السجين في صندوق عتيق بين بقايا أقمشة بألوان باهتة منعتها عن أفواه العتِّ الجائعة بالنافتلين ومبشور الصابون، كم هي بخيلة هذه المرآة الكريمة!!.

تململت سراب ضيقا.. نهضت عن السرير النحاسي.. سمعت صوت تألم مفاصله كالذي ألفته في غرفة جدتها لأبيها التي كانت هي الأخرى لوقت قريب تحتفظ بمثله إلى أن أصابه العطب، فتنازلت مرغمة عن حقها بالاحتفاظ به مدى الحياة، فبيع بثمن بخس للحداد مالك الحربوش، وأُحضر لها عوضا عنه سرير خشبي جديد لم يعد يُسمح للصغيرات بالوقوق فوقه، والنط والعفرتة عليه كالسرير القديم.

مشت في الغرفة عدة خطوت في محاولة لتليين جسدها.. التفتت العجوز إليها.. سألتها عما بها.. أجابتها:

–         أردت تحريك مفاصلي قليلا..

–         خيرا تفعلين ريثما أحضر ما أريد من أسفل الصندوق.

 

شارفت الشمس على الغياب وعادل لم يأت بعد لينقذها من ماضي أمه وصندوقها العجيب. ضجت نفسها بالاحتجاج متظاهرة فوق قسمات وجهها البريء، فتكبحها بهراوات الخجل من حماتها التي شغلتها عما هي فيه من ضيق يقظة مفاجئة لماضٍ سبب لها أرقا وتعبا.

غبطة جميلة اجتاحت قلب سراب عندما سمعت الباب يُقرع، جاءها الفرج بعد حصار مرير، استأذنت حماتها  لترى من الطارق راجية أن يكون عادل، ردت عليها أمه بقول أحبط تفاؤلها:

–         لاتذهبي.. سأفتح أنا الباب، عادل معه مفتاح البيت.

أحست سراب لأول مرة بأنها في سجن حقيقي سجانه درة، فأحبت التمرد وكسر القيد، لحقت بها رغم أمر المنع لترى من القادم.

استدارت أم عادل بكلِّها نحو سراب، وطلبت منها إغلاق باب غرفتها قبل أن تفتح باب البيت، فقد سمعت صوت ابنتها وجيهة في الخارج، ومعها طفل صغير وهي لاتحب أن يدخل الصغار إلى غرفتها والصندوق مغلق فكيف بها إن كان ناطقا بما فيه؟.

–         خير ياابنتي، ماالذي جاء بك الآن؟

–         سأخبرك بكل شيء عندما ألتقط أنفاسي..

–         ادخلي ياوجيهة يبدو أن زوجك قد..

–         لا.. لا ياأمي.. لايتعلق الأمر بزوجي..

–         تكلمي.. هل أصاب أخاك مكروه؟

 

ركضت سراب نحو وجيهة عندما سمعت سؤال حماتها عن عادل، وقد فقدت قدرتها على النطق والدموع تتدحرج من عينيها، وشفتاها ويداها ترتعشان.

لم تنتبه درة لما أصاب كنَّتها من خوف واضطراب، فأمسكت بوجيهة تهزها بعنف وتطلب منها أن تتكلم فعادل مازال خارج البيت وقد تأخر بالحضور كثيرًا.

 

بقلم

زاهية بنت البحر

Advertisements

2 thoughts on “بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)31

  1. احتار كثيرا عند البحث لكلمات تليق بعظمة قلمك
    ولااجد سوى رفع العقال للتعبير عن اعجاااااابي وتقديري ..

    قلم يمتاز بروعة الوصف ويحمل عظمة الحرف الغزير .

    تحيااااااااااااتي

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s