بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)32

أمسكت وجيهة بيدي أمها بهدوء كما تكلمت به، ودعتهما لعدم الخوف فليس في الأمر الذي جاءت من أجله ما يستوجب كل ما بدا منهما من أجل عادل الذي لم تقابله اليوم.

جلست النسوة الثلاث في غرفة المعيشة وعلامات الاضطراب  تنسحب عن وجهي سراب وحماتها كانسحاب الجيوش من معركة، بينما راحت وجيهة تقص عليهما ما حدث معها بعد ذهاب والدتها من بيتها.

–        كنت مؤدبة جدا معها رغم أنها أمسكتني من وجهي بكلتا يديها وشدتني بقوة لاأدري من أين جاءت بها وعيناها تلمعان بشرر غريب.. شعرت بألم  شديد في الفكين، ووجع مفاجئ في رأسي، كدت أصعق خوفا منها عندما رأيت وجها آخر يحتلُّ مكان وجهها البريء، حدث كل شيء خلال لحظات عندما كنت أسلم عليها، غادرت بيتها حزينة دون أن أنبس ببنت شفة احتراما لنفسي وللبيت الذي تربيت فيه ولزوجي الذي لا يقبل بما حدث.

سألتها درة:

– ولماذا ذهبتِ لزيارتها؟

–  لتهنئتها بعودة ابنها سالما من سفرٍ كاد يودي بحياته.

–  ربما بدر منك ما أزعجها ولم تنتبهي لذلك.

–  أقسم بالله لم أفعل شيئًا يغضبها، قبل عدة أيام كنت في زيارتها وكانت لطيفة جدا معي رغم حزنها على غياب ابنها، واليوم تنقلب ضدي بشكل فظيع.

– لك الله ياابنتي وهو ينصفك إن كنت بريئة، عودي إلى بيتك والتزمي الصمت فهي والدة زوجك على أية حال.

– جرحت مشاعري ياأمي أمام من كان عندها في البيت.

– لا تحزني يا ابنتي سيشفي الله جرحك فهو يسمع ويرى ويعد للظالمين عذابا أليما.

عادت وجيهة إلى بيتها لكن السكينة لم تعد إلى نفسها بعد تهجم حماتها عليها بأسلوب فج لايصدر عن امرأة تتقي الله مهما كانت الظروف التي تحيط بها، فالكنة ليست كالإبنة في مثل هذه المواقف الحساسة، ولايحق للحماة تعدي الخط الأحمر وإهانة ابنة الناس عدا عن كونها تهين نفسها بما يصدر عنها من عمل لايليق بامرأة عاقلة.

نساء كثيرات يشعرن بالغيرة من زوجة الابن .. يكتمن كرههن لهن ردحا من الزمن وهن يتسلطن عليهن بأسلوب أو بآخر.. يقبلن ذلك للكنة ويأبينه للابنة، ولكن أيًا كان التسلط فهو صعب يحبس ناره في قلوب الأبرياء، وعندما تتراكم الأنات والأوجاع يحدث الانفجار الذي يحطم كل ماحوله، وقد تصل شظاياه إلى أماكن بعيدة عن موقع الحدث.

نظرت درة إلى سراب.. ابتسمت بلطف وعيناها تعبران الواقع إلى المجهول:

–  أدعو الله أن يقدِّرَ وجيهة على نسيان إساءة حماتها إليها التي تكررت مرارا وألا تبقى نابضة في ذاكرتها كي لاتعذبها، فالذاكرة ياسراب هي نحن فيها تفاصيل حياتنا من خير وشر، رتَّبتها الأيام والسنون في فصول نقتطف منها الثمار صيفًا وشتًاء… ربيعًا وخريفًا، فما نفع إنسان بلا ذاكرة ؟! أظنه يكون في هذه الحال مريضًا بفقد الذاكرة، وهو بحاجة لعلاج نفسي وطبيبٍ حاذق ينقذه من بلائه المقيت.

نحن لا ننسى ياابنتي بل أحيانًا نتناسى لمتابعة الحياة، لأنه من المستحيل أن يعيش الإنسان بلا نبض قلب، والنبض عند الكثيرين يستمر بمطر الذاكرة، وآه ثم آه من ذاكرة ملؤها الألم.

تدفق الدمع من عيني سراب وهي تستمع لحماتها التي تجلت الحكمة في قولها، فهتفت مؤيدة ماتفوهت به أم عادل من درر ثمينة أغلى من الماس والياقوت:

–        كلماتك جعلت دمعي ينفر من عيوني غزيرًا، أتصدقين ياامرأة عمي بلحظة خاطفة  تحضرنا الذكريات الجميلة التي دفنتها الذاكرة في دفء الروح، تعودنا عندما نقرع بلطف باب الماضي، فتخرج إلينا من مخبئها باسمة باكية.. هي الحياة تمشي بنا كيفما شاء الله لنتعلم منها مايساعدنا على عبورها بسلام.


بقلم

زاهية بنت البحر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s