بانتظار الأمل(رواية لزاهية بنت البحر)23

 
 عندما تبتسم الشمس صباحاً فوق خدود الورد تبدأ قطرات الندى تجفّ وشذاها فواح ينعش المارين بحدائق الوعدِ في يومٍ ربيعي طال انتظاره تزفُّه تغاريد الطيور.
 هكذا كان صباح درة في هذا اليوم، أحست بقوة تنبت في جسدها، فنهضت للعمل بهمة تفوقت بها على بنات العشرين، ولمَ لا؟ فهي لم تستسلم لآلام المفاصل ووجع الظهر، بل ظلت تتحداهما بقوة ونجحت في المحافظة على لياقتها بينما فشلت الكثيرات ممن هن في مثل سنها لاستسلامهن للألم  فهزمهن بخبث لعين.

درة تحدت ظروف حياتها الصعبة بكل شيء دون أن تتطاول على الزمن ولم تتدعِي يوما مالا يحق لها لقناعتها التامة بأن من يرتدِي ثوباً فضفاضاً أو ضيِّقاً سيظهر عيوبه لأنه لا يليق به غير ثوبه الذي فُصِّلَ له بمقاسه، وقد ينزوي ذات وقت صاغراً في ركنٍ جانبي بعد أن جعل نفسه موضعَ سخرية للآخرين.

 درة تفكر قبل أن تقرر فلم تندم على شيء قامت به طواعية حتى في هذا اليوم عندما اختلفت مع ابنها في نقاشٍ خاص يحدث بين أي أم وأولادها، فترك البيت وخرج بضيق لم ترده له لأن الأرزاق بيد الله وعلى الإنسان أن يعمل دون يأس من رحمة ربه، فما حُرم منه اليوم قد يأتيه غدا أو بعد غد، ولكن ابنها كان اليوم على غير عادته، تركته يفكر عله يصل لشيء يريحه بفكرة ما.
قبل أن تذهب إلى بيت ابنتها في زيارة مستعجلة تلبية لدعوة وجيهة لها في أمرٍ هام، نظفت الديك (ملطته) وحشته بالرز واللحم المفروم وبعض المكسرات، ثم أخاطته ( وكتفته) جيدا بالخيطان، وقلَته بالسمن، ثم وضعته في طنجرة فيها الماء والملح وورق الغار وبعض حبات الهيل، كانت سراب تشاهد حماتها وهي جالسة على الأرض فوق (طراحة) تعمل بجد ونشاط- افتقدتهما سراب في أشهر الحمل الأخيرة- إلى أن انتهت من عملية طهيه وبات جاهزا للعشاء، تركت الطنجرة مغطاة ورائحة الديك المحشي تملأ أجواء البيت وتفوح منه إلى البيوت الملاصقة لبيتهم، ثم لبست ملايتها وذهبت إلى بيت وجيهة، بينما دخلت سراب إلى غرفتها لتشاهد دِيارة المولود( ثيابه) التي أرسلتها لها أمها صباحا مع أختها الصغرى مروة بعد أن هيأت نفسها لاستقبال زوجها لتناول بعض الطعام من بواقي غداء الأمس لأن حماتها قد تأكل عند ابنتها.
فرحت سراب بجهاز الصغير فرحتين أولا لأنه من والدتها، فقد تعودت نسوة الجزيرة على تجهيز المولود الأول  لبناتهن، وإن كانت حالة الأب  جيدة تجهز جميع  أحفادها، وفرحت ثانيا وهي ترسم صورة وليدها بهذه الثياب، ولم تبخل  برؤيته أيضا بما أحضره له والده من ملابس، فرأته وليدا ورأته يمشي وجمح بها الخيال فرأته عريسا.
تمنت أن تطول بها لحظات الحلم الجميلة لكنها سرعان ما تنتهي برفة جفن.. تهرب إلى المجهول.. تحاول اللحاق بها.. تفشل، ويظل الفرقُ شاسعًا بين لحظةِ دخول الحلم، ولحظة الخروج منه.

سراب تجيد امتطاء صهوة الحلم، وتعرف كيف تقوده دون أن تهوي فيه، فمن يمتلك خيالا جامحاً صوب المنى تنبت له أجنحة قوية تتحدى الريح والمطر ومطبات القلق، ولكن ليس كل خيال يصلح للتحليق، ولحسن حظها ففد حظيت بخيال كان متمرسا على اجتياح الصعاب بقلب قوي، ونية صافية تستمد نقاءها من إيمانها بالله العلي العظيم.

 

بقلم

زاهية بنت البحر

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s