بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)14

 

 

 الجمعة، صباحا، في أحد موانئ البحر الأبيض المتوسط رست السفينة التي يعمل على متنها عادل.. رمى البحارة الياطر، واستعدوا للنزول إلى اليابسة والتجول فيها والالتقاء برفاقهم الذين سبقوهم إليها، فهم جميعا يعرفون هذه المدينة جيدا، وقد شهدت للبعض منهم مغامرات كثيرة، وهناك من له فيها بيت لزوجة وأولاد أو لصديقة يقيم عندها ريثما تفرغ السفينة حمولتها في الميناء، وتُحمَّل بغيرها من البضائع التي تنقلها إلى ميناء آخر.

أنهى عادل أعماله المكلف بها في السفينة ونزل برفقة أحمد إلى المدينة لمحادثة والدته وسراب هاتفيًا، فقد هده الشوق إليهما، بعد مرور زمن طويل على سفره دون أن يستطيع الاتصال بهما لعدم السماح لهم بالنزول إلى المدن الساحلية التي مروا بها، بموجب قانون بعض الدول الذي يمنع البحارة من مغادرة السفينة، ومن ناحية ثانية فإن القبطان لا يسمح باستخدام الراديو إلا لأمور هامة جدا، إضافة إلى رفض عادل مبدا الحديث عن طريق الراديو واستماع الناس المنتظرين محادثات ذويهم مايدور بينه وبين أهله من كلام.

مشى عادل بهدوء يمتع نظره بجمال المدينة وما فيها من رقي حضاري، ونظافة شوارع والتزام الناس بقواعد السير والنظام في كل شيء، لكن رغم ذلك كانت صورة جزيرته لاتفارق مخيلته.

وهو في الطريق لفت انتباهه فستان أخضر في إحدى الواجهات المنتشرة بكثرة في هذا الشارع الكبير، لم يولِ اهتماما للمانيكان الجميلة التي ترتديه بل تخيله على زوجته التي يحب. طلب من أحمد أن يرافقه لشرائه، اعتذر أحمد لأنه هو الآخر قرر شراء جاكيت جلد طويلة للمى رآه في واجهة أخرى فأعجبه. افترقا على أمل اللقاء في الكافتيريا التي يجتمع فيها البحارة من أبناء الجزيرة ومضى كل إلى مايريد شراءه.

وعندما عادا إلى السفينة كان عادل غاضبا والضيق يعلو وجهه، حاول أحمد تهدئته فلم ينجح. رمى الكيس الذي كان فيه الفستان وبعض الأغراض التي اشتراها لوالدته وسراب ووجيهة فوق السرير في غرفتهما، وجلس مقطبا بينما راح أحمد يلطف الجو بإلقاء بعض النكات المضحكة إلى أن بدأت علامات الارتياح تظهر على وجه عادل فقال له:

–          لاتشغل نفسك بما لايخصك، كل إنسان هو حر بحياته يفعل مايشاء، ولن ينزل أحد مع أحد في قبره.

–         ماكنت لأهتم لولا أنه أراد أن أشاركه في خطيئته، لقد فقد عقله.

–         ولِماذا الغضب، فأنت رفضت أن تقرضه المال، وانتهى الأمر؟

–         ما يؤلمني يا أحمد أنه يضيع عمره وماله في الحرام تاركا زوجته وأطفاله للمحسنين، أهذا عدل؟

–         أمثاله كثر، ولا يهمهم إلا الساعة التي هم فيها، فادعُ لهم بالهداية؟

–         أي هداية؟ وهو يريد أن يقترض المال منى من أجل صديقته التي يقيم عندها، لتدفع قسط المدرسة لولدها بحجة أنه عمل إنساني، تصور ياأخي سيدفع لأولاد الصديقة، بينما أولاده بأمس الحاجة للمال. لم يعد يستحي والله.

–         سيرته باتت علكة بأفواه الناس، مثله ومثل غيره.

–         الله يعافينا مما ابتلى به الكثير من خلقه؟

–         آمين. المهم أنك تكلمت مع الوالدة والحمد.

–         أجل، ولكن أخونا أزعجني والله.

–         لاعليك، أنا أيضا تحدثت مع الوالدة وكانت لمى  عندها فضربت عصفوين بحجر.

–         عندما سمعت صوت أمي شعرت بغصة تخنقني، تمنيت لو أعود إلى الجزيرة، ولكن عندما تكلمت مع زوجتي غيرت رأيي وصممت على متابعة السفر لتأمين ثمن البيت الجديد أو مبلغٍ منه. لكن لاأدري شعرت بأن هناك شيئا ما تخقيه أمي عني.. لأول مرة أحس في كلامها نبرة جديدة أرجو أن تكون خيرا.

–         كل خير بإذن الله. قل الله.

–         الله ، لاإله إلا الله

       بقلم

      زاهية بنت البحر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s