بانتظار الأمل( رواية لزاهية بنت البحر)13

 

بتوالي الأيام دخلت سراب مدرسة الحوامل لاول مرة. لم يكن انتسابها سهلا فقد انتظرت سنوات عجافا ريثما فتح لها باب القبول فيها، فبدأت أولا تتذوقُ طعم  الوحام، ومن ثم مضت تعيش تفاصيله بندا، بندًا. بداية كرهت رائحة البحر التي تصدر عنه في بعض الأحيان، فتهرع إلى الحمام، وتفرغ ما في جوفها، وأم عادل تلحق بها بقطعة من ليمون  حامض قيل بأنها تخفف الشعور بالغثيان.

 حارت العجوز بأمرها.. لماذا يحصل هذا مع كنتها عندما تشم رائحة البحر تحديدا، فهي لم تمر بمثل هذه التجربة سابقا أم تراها نسيت ذلك بمرور عدة عقود وألفت تدشؤ البحر كما يقولون؟!!

خافت عليها فقررت اصطحابها إلى طبيب الجزيرة فربما كان في الأمر خطورة، لكن سراب رفضت  ذلك واكتفت بالصمت، وكثرة النوم، وقلة الطعام.

لم يقتصر نفورها على رائحة البحر بل كرهت أشياء كثيرة، وأحبت أشياء أخرى لم تكن على علاقة طيبة بها قبل الوحام.

أصبح الشاي يثير اشمئزازها، فلم تعد تطق تناوله بل بات ذكر اسمه يدفعها للتقيؤ، وكان سابقا من أحب المشروبات إلى نفسها باردا أو ساخنا، والغريب أيضا أنها لم تعد تذكر زوجها كثيرا وإن تحدثت عنه حماتها استأذنتها بالذهاب، ودخلت غرفتها خوف إزعاج العجوز بكلمة أو بالتفاتة تصدر عنها  محملة بما تحسه تجاه عادل من تغير عاطفي فتجرح شعورها به، لكن والدتها أخبرتها عندما التقت بها ذات يوم بأن بعض النساء يشعرن بكره الزوج في الوحام، ومنهن من تترك البيت لعدم استطاعتها رؤيته أو شم رائحة ثيابه، وهذا أمر طبيعي سرعان ما ينتهي بانتهاء مدة الوحام التي قد تستمر أشهرا، فحمدت الله على أن عادل ليس موجودا معها في هذه الفترة العصيبة التي تمر بها الآن.

سألتها ذات يوم حماتها عما تشتهي من الطعام فقد كانت العجوز تقوم بالطهي في ذلك الوقت لعدم استطاعة سراب شم رائحته المقلي منه والمسلوق، فطلبت منها أن تطبخ ورق  عنب بزيت(يالنجي).

جلست أم عادل بنشاط ملحوظ  تلف اليبرق بمساعدة ابنتها وجيهة التي راحت تغني بصوت هامس لأمها تظهر فيه مدى لهفتها لاستقبال هاشم الصغير على أحر من الجمر، وعيون أم عادل تهمي بكرم دموع الهناء.

في هذه الأثناء بدأت سراب تحد من خروجها من المنزل، فقطعت علاقتها مع صديقاتها وقريباتها بحجة انشغالها بأمور البيت، فعتبن عليها، وبعضهن اتخذن منها موقفًا معاديا، بينما التزمت أخريات بالحياد، وتركن  لسراب حرية التصرف ولم يقلن بحقها إلا خيرا.

 في عزلتها كانت تحس بالضيق مما ينقل لها عما يقال عنها، ولكنها كانت تعود فتبتسم فالأمر لن يطول كثيرًا، فكانت عندما تحسُّ اختناقًا يحاول اقتلاعها من أعماق الصبر في حياة صعبة المراس، تجد نفسها برئة الأمل تتنفَّس، وبحضنه تتدفَّأ، وهي على يقين بأن من يُحرَمْ هذا الحضن يُسلبْ السعادة.. فتسبِّح من جعل لكل داءٍ دواء، فدواء الملل واليأس هوالأمل بكل نوافذه، وشرفاته وحدائقه الغناء.

بقلم

زاهية بنت البحر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s