بانتظار الأمل (رواية لزاهية بنت البحر)7

 

لم تخرج سراب من غرفتها إلا للوضوء طوال اليوم إلى أن غادرت وجيهة وأولادها البيت، فراحت ترتب المنزل وتنظفه فقد تركت وجيهة كل شيء على ماهو عليه دون أن تكلف نفسها مشقة إصلاح ما أفسده أولادها من كسر صحون وشق ملاءات وغير ذلك، حتى أنها لم تعتذر من زوجة أخيها رغم علمها بما سببت لها من ألم.

أسرعت أم عادل تساعدها بصمت، فقد كانت هي الأخرى في حال لا تحسد عليها، يفضحها احمرار وجهها وتصبب العرق من جبينها رغم ما طرأ على الطقس من تغير في درجة الحرارة التي مالت للبرودة قليلا، فقد امتلأت السماء بالغيوم الداكنة، وهبت ريح مفاجئة راحت تشتد ساعة بعد ساعة، فحمدت سراب ربها في سرها على أنها لم تذهب وأهلها إلى جزيرة الحبيس فهي تخاف من ركوب البحر عندما يهيج ويموج، ومن يدري فقد كان من المحتمل أن يحصل ذلك وهم في الفلوكة في وسط البحر،  وعندها لا أحد يعلم ماذا يمكن أن يحدث لهم، وخطرت في بالها حوادث كثيرة راح ضحيتها رجال ونساء من جراء غرق المراكب في أحوال جوية سيئة مرَّت على الجزيرة من عهد قريب وأخرى من عهد بعيد، وتذكرت زوجها فانقبض قلبها ودعت له بأن يحفظه الله فالبحر غدار لايؤتمن على قشة.

تشابكت أحاسيس قلقها على زوجها مع انشغال بالها على أمها وأبيها، تمنت أن تذهب إليهما للاطمئنان عليهما، ورغم ذلك لم تنبس ببنت شفة، وحماتها تنظر إليها بين الفينة والأخرى بانتظار فك الحصارعن لسانها بأي كلمة تنطق بها، حتى لو كانت بشتم ابنتها.

 طال انتظار العجوز دون فائدة، وهي تتقلى على جمر الصبر.

عاد البيت مرتبا نظيفا بعد ساعة ونيف من العمل كما كان قبل مجيء وجيهة وأولادها إليه. وقبل أن تعود سراب إلى غرفتها سمعت حماتها تناديها، التفتت إليها، رأتها تحمل صينية قش صغيرة وفوقها أطباق الطعام، أشارت إليها برأسها أن اقتربي وعلى ثغرها ابتسامة رقيقة. وقفت سراب تنظر في وجه العجوز وطيف عادل يلوح لها من بعيد وصدى كلماته يرن في أذنها( أمي أمانة في عنقك ياسراب) وظل صوته يلاحقها  وهي تركض صوبها.. تتناول الصينية منها ودموعها تملأ وجهها، والعجوز تربت على كتفها قائلة بفرح: أصيلة ياسراب. تناولي طعامك، واستعدي لنذهب معا إلى بيت أهلك فقد اشتقت لأمك كثيرا.

وضعت سراب صينية الطعام فوق الأرض وعانقت حماتها ولسان حالها يقول، ليس لك ذنب فيما حصل ياامرأة عمي.

لم تعد أم عادل وسراب من بيت أهلها قبل أن صفت القلوب خاصة بعد أن قال والدها بأن كلام وجيهة فيه من الصحة الشيء الكثير، ولكن في الآونة الأخيرة مُنع هؤلاء الشبان من الذهاب إلى الحبيس يوم الجمعة، ولاشك فإن وجيهة لو علمت بذلك لما حدث ماحدث.

عادت سراب وحماتها إلى البيت والابتسامة فوق ثغريهما وقد تلاشت من سماء نفسيهما غيوم الحزن وأشرقت فيهما أنوار الصفاء والمودة وهما تتبادلان تحية ما قبل النوم وتأوي كل منهما إلى غرفتها.

في تلك الليلة كانت السَّماء ملبَّدة بالغيوم، تلاقى فيها خريف امرأة بخريف عام فكيف كان اللقاء؟
لم تكن أمُّ عادل نشيطة هذا المساء، فقد أحسَّت بوعكة مفاجئة، فأوت إلى فراشها بعد صلاة العشاء، تدثَّرتْ ببطانية سميكة، وألصقت ركبتيها ببطنِّها طلباً للدِّفء، وغطَّت في نومٍ عميق، بينما كانت سراب تسهر في غرفتها وهي تتابع إحدى التَّمثيليات على شاشة التِّلفاز.

 

بقلم

زاهية بنت البحر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s