بانتظار الأمل(رواية لزاهية بنت البحر) (1)

عشر من السَّنوات مرَّت مملة.. كئيبة.. خانقة.. تلهث وراءها يومًا بعد يوم زارت خلالها عيادات الأطباء، ودور العرَّافين، سخت لأجل النُّذور، وأكثرت من الصَّدقات، بكت نهارًا وسهرت ليلا تدعو الله قيامًا وقعودا دعاء المضطر، ولكنْ لم يأت المنتظر، لم يقرع باب حياتها بأنامل السعادة، لم يدغدغ كيانها بنداء أمي، أو ببسمة ثغرٍ، أو بصرخة ألم.
هي كغيرها من النِّساء اللواتي يتزوجن كرهاً أو طوعاً، لا تملك من أمرها شيئًا، ولكنها تحلم بطفل صغير يزيِّن حياتها بالفرح، ويملأ أجواءها بالتَّغريد على أفنان حبِّها للحياة ولمن تحب.
كانت تحلم به جميلاً كالبدر، وديعاً مثلها وكأبيه، تضمه إليها بحنان، ترضعه من صدرها حليباً طاهراً، تعلمه أحلى الأشياء، تربيه على الإيمان وحب الخير، تلبسه أحلى الثِّياب، وترقص ليلة عرسه حتَّى الفجر، لكنَّها حتى اليوم لم تجرب الوحام الذي تشكو منه النسوة حقيقة أو دلالا، لم تشكُ وجع الحليب، ولم تذق ألم الولادة.
أحياناً عندما كانت تلتقي مصادفة في الطريق أو في بيت ما بإحدى رفيقات الطُّفولة، وهي ترضع أو تحمل طفلاً، كانت تحسُّ بالغيرة تهاجم أنوثتها، وبالحرمان يفترسها، فتنظر إلى الطفل بلهفة تكاد عيناها بها تخرجان من وجهها لتلتهمه بشهية أنثى محرومة الأمومة، تتلظى حرقة ما تلبث بعدها أن تنتبه إلى نفسها، تواري حسرتها بابتسامة رقيقة تفضح سريرتها المعذَّبة، فتردّ عليها الرَّفيقة الخائفة من مقلتيها بابتسامة مجاملة باهتة، وتهرب بطفلها خشية الحسد، فتلوك سراب نارها بصمت مرير، وعيناها تفيضان بالدموع، والأم وطفلها يبتلعهما الطريق.
زُوِّجتْ لعادل في سنٍّ مُبَكِّرة جدا، تقاليد الجزيرة تقضي بتزويج الفتاة بعد البلوغ لأول طارق باب، أمَّا الشَّاب فحسب قدراته المادية.
أحبت سراب (عادل) بإخلاص كما أحبَّه سكان الجزيرة، فهو شاب دمثَ الأخلاق، لطيف المعشر، محمود النسب تمنت الزواج منه الكثيرات من الجميلات، ولكنه لم يتمنَّ غير حبيبة القلب منذ أن كانا يلعبان معًا على صخور الشاطئ في أيام الصيف الحارة.

ضيق ذات اليد لم يغيِّر من حبِّها له، بل زادها تعلُّقاً به رغم حلمها بأن تكون غنيِّة كسعاد وعايدة وسميرة وغيرهن من صديقاتها الأقل منها جمالا ونسبا، لكنها لم تشعر بالضيق من عسره المادي يومًا، بل راحت تبث فيه روح التَّفاؤل والأمل، فظلت في قلبه أميرةً، وسكن قلبها مليكاً.
رغم صغر سنِّهما فقد كانا يؤمنان بانَّ العقل بواسطة الدين هو السَّبيل الوحيد لمتابعة الحياة بينهما بشكلٍ هادئ، فعاشا متفاهمين.
حفظته في ماله وشرفه، فحفظها في قلبه ووجدانه، وعندما كان يسافر على متن إحدى السُّفن التِّجارية تاركًا بلده وأمنه ودفء بيته، وحنان أمه وزوجته طلباً للرِّزق، لم تكن سراب تذهب أثناء غيابه إلى بيت أهلها في زيارة طويلة قد تستغرق مدَّة غيابه كاملة كما تفعل الأخريات خاصة خلية الولد منهنَّ، بل كانت تنتظره في بيتها، فتهتمّ بوالدته العجوز وتعتني بشؤونها، كان ذلك يسعدها كثيرًا لاعتقادها بأن ما تقدمه لحماتها يسعد حبيبها الغائب ويطمئن قلبه على أن والدته بأيدٍ أمينة فيتفرغ نفسيًا للعمل بجد وراحة بال.
وحينما كان يجوب البحار، وموانئ البحر المتوسِّط، ويُعرَض له الجمال بأعلى مقاساته وفتنته في حوريَّات الشَّواطئ، والمدن السَّاحلية، تلك الجميلات اللواتي يلعب حسنهنَّ برؤوس أشدِّ الرِّجال عقلاً، لم يكن يشاهد بناظريه أجمل ولا أروع من حوريته سراب.
تناغمٌ بديع ظلَّ يربطهما بمحبَّة صادقة لم يسمعا له نشازاً في عمر زواجهما أبدا.


بقلم
زاهية بنت البحر

Advertisements

12 thoughts on “بانتظار الأمل(رواية لزاهية بنت البحر) (1)

  1. زاهيتنا المشرقة
    أحببتك شاعرة وقاصة .. وروائية

    متابعة لسراب وعادل وحبهما الوثيق, وإن دق قلبي من كثرة أسفاره!

    طبت وسلمت

    أ. فاطمة بنت السراة

    إعجاب

  2. المال والبنون زينة الحياة الدنيا
    والباقيات الصالحات خير عند ربك مردا وخير املا ..

    مايدريك فلعل الله لم يرزقها محبة فيها حتى لاتتوقف عن الدعاء والاستعانة والتقرب الى الله دائما

    تلك هي الباقيات الصالحات ..

    وكذلك فان الرضى والقبول لقدر الله وقضائه هو ارقى درجة الايمان وهل اجمل من ان يلقى العبد ربه وهو راض ِ عنه .

    من يدري
    فكثير من الابناء تمنت امهاتهن لو لم يأتون الى الحياة من فرط حقوقهم بامهاتهم .

    لله مااعطى
    ولله مااخذ
    ولله ماابقى ..

    اما الحب فهو العطاء الالهي الاجمل الذي ابقاه في قلوب عبااااااااده..

    زااااااااااهية
    وكم انت ِ زااااااااااااهية بلا حدووود
    عندما يتحرك قلمك مابين اناملك ِ الرقيقة لتحبري حبرا كلمعة الالماس ..

    إعجاب

  3. ما شاء الله

    التعبيرات جميلة و من السهل الممتنع …

    خفة تقليدية لكنها ظريفة جدا

    و ما أحلى التعبيرات عن الخلق و عن حب الزوج المثالى ( ……….) و عفته

    حتى لو لم تكتمل فهى كافية و جميلة !

    حقا الشباب بحاجة لتلك الكلمات الشيقة

    بدلا من غثائيات غبير و المقعد و غيرهما

    و تعقيب القلم الأنور طيب جدا و الحمد لله أنه توافق لديكم

    جمعنا الله على أحب ما يرضيه من قول و عمل و نية

    بورك فيكم

    وقد تفوقت القصة على الشعر لديكم فى عينى

    وفقكم الله لكل خير

    د. إسلام المازني

    إعجاب

  4. الأخت الفاضلة والأديبة زاهية

    ربما كان هناك من لا يحب أن يقرأ القصص الطويلة المجزءة حتى تتم وأنا واحدٌ منهم ولعلك تذكري رائعتك الإحتراق صبرت حتى إنتهيت منها ثم قرأتها بتأني وكانت من الروائع التي مرت علي ولا أقولها مجاملة يعلم الله , أرجوا أن تكون هذه القصة في مستواها .

    بإنتظار الباقي ودمت بحفظ الله .

    أ. الميمان النجدي

    إعجاب

  5. رائع رائع أختي بنت البحر ..

    تابعتها منذ البداية .. كنت أحيانا أدخل فقط لأرى الجديد فيها ..

    تسلسل جميل هاديء وأحداث تطرد الملل ..

    ونهاية :حزينة .. ربما تكون متوقعة ولكنها جريئة ..

    أسجل حضوري وإعجابي بدرتك هذه ولك التحية .

    أ. يوسف البلوي

    إعجاب

  6. اصطفينا هذه القصة

    ووضعناها في العرض الدعائي لأحسن القصص

    مع بعض القصصص الأخرى المتميزة

    وفقكم الله

    وسدد على الحق خطاكم

    أ. أبو العبادلة

    إعجاب

  7. إلى كل من يسألني عن الحلقة الأولى ويجدون صعوبة بالوصول إلي الرواية من بدايتها:
    سأقوم بتخصيص متصفح بإذن الله لجميع الحلقات
    أهلا بكم ومرحبا
    أختكم
    زاهية بنت البحر

    إعجاب

  8. زاهية بنت البحر

    يا مبدعة النثر

    ها انا قرات اجزء الأول

    وساستمر يصمتي

    الى ان اقرأ بقية الأجزاء

    فاأنا مشدودة اليها

    كمغنطيس

    من بداية الجزء(1)

    لرقي حرفك

    باقة جوري

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s