مواجهة مؤجلة

وقفتُ أمامه كرجلٍ لرجل، لم أعد ذاك الطفل الذي يرى والده بطول نخلة، وبقوة جبل، رأيته اليوم كما يرى الندَّ نده. قررت مواجهته بكل شيء، سأفرغ حصاد سني عمري من ألم عذابٍ غرسه في صدري وأنا ابن تسع، يومَ احتضنت تربة قلبي الغضة تلك النبتة بحنان أم رؤوم، غذتها بالقتام، وسقتها بالدموع، وسهرت عليها بنوايا الثأر ممن سلبني أمي.
كبرت النبتة، تمددت جذورها الشائكة في شراييني، ولحمي، وعظمي، أرقت فكري، وأجرتِ الدمع في عيني، واليوم تجتاحني غصونها وثمارها بثورة داخلي المكفهر، متمردة، تصرخ بتحدٍ غريب لا أستطيع لجمه، تريد الظهور للعيان بعد كبتها عمرا في ظلام الأسر. سأواجهه بكل شيء، لن أخافه، فقد بلغت من العمر أشده، ومن الرشد سنامَه، بينما أحنى الزمن ظهره، وذهب بقوته، وأسكن لونه شحوب القلق، وعينيه حزنا غريبا.
سألني وهو يرتدي سترته الرمادية: مابك لماذا تنظر إلي هكذا؟
ضبطت نفسي، لم أجبه.
كرر سؤاله بنبرة عالية هذه المرة، حدقت في وجهه، والصمت يلفني كثعبانٍ، اقشعر بدني وصورة أمي تمثل في خيالي باكية عندما ضربها وهي حامل، وقعت أرضا وهي تصرخ بصوتٍ فظيع هزَّ أركان الغرفة، رأيتها تتلوى من الألم ويداها ترتجفان فوق بطنها، حدجني يومها بنظرة ارتباك وهو يرفعها عن الأرض، حملها وخرج بها إلى المستشفى، ومنذ ذلك اليوم لم تعد إلى البيت، كان يصطحبني أحيانا لزيارة قبرها.
طال انتظاري لهذا اليوم يا قاتل أمي، سأخبرك بأنني رأيتك تضربها، لن أرحم شيخوختك، ولن أقبل منك اعتذارا بعد أن أفرغ ما في جعبة قلبي من أقوال في أذن قلبك القاسي. أطرق برأسه أرضا، وسألني للمرة الثالثة: مابك لماذا تحدق بي هكذا؟
قلت له: أبي لقد رأ ..
قاطعني رافعا رأسه نحوي وعيناه مغرورقتان بالدمع: لا تكمل، لن أقبل اعتذارك عن زيارة قبر أمك هذا اليوم، هيا بنا لقد تأخرنا.
أحسست زلزلة في عمق كياني، سمعت أصوات انهيار جسور، وهدير عاصفة تقتلع نبتة ما كانت تعرِّش في داخلي. للحظة كدت أسقط فيها فوق الأرض، بعضي يصارع بعضي، حقد وغفران، حزن وسعادة، هزيمة وانتصار، لم أدر ماذا أصابني، كنت تائها في مهب ريح هوجاء عصفت بي دون رحمة، أسبلت جفنَيَّ والدموع تغرق وجهي، وعندما فتحتهما كانت يد أبي تمسح عنهما ماء الألم، وابتسامة حنانٍ دافئة فوق شفتيه، وهو يدعو لأمي بالرحمة.
أحسست بالخجل منه ومن نفسي التي أتعبتني عشرين عاما.

بقلم
زاهية بنت البحر

 

 

Advertisements

5 thoughts on “مواجهة مؤجلة

  1. خير الخطائين التوابون..رغم ما فعل لم ينس زيارة قبرها.. إنه الوفاء بعينه.. لقد ادرك الابن ان وراء القسوة قلبا رحيما، وان أباه في مرحلة ضعف تثير الشفقة.. ومهما جرى فيبقى الاب ابا والام اما.. نستنكر الافعال لكن ليس من حقنا ان نحقدأو نحاسب اونعاقب احدا.
    صيحة مدوية لاستئصال العنف وليس لإثارة ضغينة الابناء ضد الاباء مثلما يفعل البعض أو يتصور البعض الآخر.. اجدت يا استاذة باللين والتسامح نصل الى القلوب،ونحقق – بإذن الله -المرغوب

    الأستاذ القاري
    رواء

    إعجاب

  2. الله الغفور الرحيم يغفر الذنوب و يقبل التوبة, هنيئا لمن يتحكم في غضبه فلا يقوم بما يندم عليه عمرا بأكمله.
    قصتك إنسانية مؤثرة وكم نتمنى أن تخلو كل البيوت من العنف الذي يجرح و يدمر نفوسا.

    تحياتي لك أخت زاهية

    الأستاذة نصيرة تختوخ
    نور الأدب

    إعجاب

  3. لعل أصعب شعور ان تنام وتصحو على ان تنتظر تلك اللحظة لتفرغ بها شحنات احتفظت به لسنين وان تواجه به شخص اقرب من نفسك الى نفسك
    وعندما تحين الفرصة يسقط ذلك الحاجز او الستار الذي صنعناه بأيدينا لنرى انسانا اخر عما قد رسمناه في بالنا

    غاليتي قرات هنا ابداعا يفوق الوصف
    دمتِ بهذا الرقي والتألق

    لبنى عبد الفتاح

    إعجاب

  4. من أجمل ما قرأت لك
    تستحق أن ترتفع عاليا هذه القصة
    تذكرت قالة الفاروق:
    عققته صغيرا فعقك كبيرا..
    احترامي
    وكل عام وأنتم بخير

    الأستاذ حسن الشحرة
    رواء

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s